منتدى ماستر مقاصد الشريعة الإسلامية
السلام عليكم ورحمة الله تعالى و بركاته، أهلا و سهلا بك في منتدى ماستر مقاصد الشريعة الإسلامية عند مالكية الغرب الإسلامي بين النظرية والتطبيق.

منتدى ماستر مقاصد الشريعة الإسلامية

منتدى ماستر مقاصد الشريعة الإسلامية عند مالكية الغرب الإسلامي بين النظرية والتطبيق- كلية الآداب سايس- بفاس
 
الرئيسيةالبوابةبحـثالتسجيلدخول
الإعلانات التي تظهر لسنا مسؤولين عنها في المنتدى، في القريب سنعمل على حذفها

شاطر | 
 

 معالم الاجتهاد المقاصدي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد الجبار كنادي



عدد المساهمات : 8
تاريخ التسجيل : 02/01/2013
العمر : 34

مُساهمةموضوع: معالم الاجتهاد المقاصدي   الخميس 10 يناير 2013, 09:08


تمهيد : حاجة المجتهد إلى مقاصد الشريعة :
لا مراء في ضرورة الاجتهاد لما له من أهمية لحياتنا الإسلامية المعاصرة وتجديد فقهنا بما يجعله قادرا على علاج مشكلاتنا المتجددة , ولكن نخاف أن يدخل من هذا الباب إذا فتح من يلبسون لبوس العلماء ويحملون ألقابهم الفخمة وليسوا من العلم في الظاهر ولا الباطن .
ونخاف أن يتجرأ و يسارع إلى الفتوى في أعوص المسائل ٬وأعمق القضايا ٬ دون ٬المراجعة والمشاورة مع أهل الذكر ٬ .
وأخطر من هذا أن يدعي بعض الرويبضة المتعصرنون الذين يريدون أن يدخلوا على الحياة الإسلامية ٬ ما هو غريب عن فطرتها وقيمها وشريعتها بدعوى الاجتهاد في الشرع ٬ وهي أبعد ما يكون عن شرع الله نصا وروحا.
وأشر من هذا الذين وظفوا علمهم للسلطان ٬ وباعوا دينهم بدنيا غيرهم ممن أغفل الله قلبه عن ذكره ٬ واتبع هواه ٬ وكان أمره فرطا.
والعلم إذا غدا تابعا للهوى لم يعد علما ٬ بل ينقلب جهلا وضلالا ……
إن سد الباب على أدعياء الاجتهاد غير المتأهلين له ٬ فهو في الوقت ذاته يحرم أهله القادرين عليه من ممارسة حقهم الشرعي في الاجتهاد ٬ كما أمر الله ورسوله ٬ وهذا ينتهي بغلبة المقلدين الجامدين ٬واختفاء المجتهدين المتنورين ٬ وباختفاء هؤلاء وظهور أولئك تجمد الحياة ٬ ويتوقف الفكر ٬ويتخلف المسلمون ٬ وتتعثر حركة الإسلام. على أن عصرنا لم يعد قابلا لدعوى إغلاق باب الاجتهاد ٬ ولا عاد هذا ممكنا لو أردناه ٬فإن حرية القول باللسان والقلم ٬ وحرية الإذاعة والنشر وخصوصا فيما لا علاقة له بالسياسة متاحة وميسورة ٬ ولاسيما من كان له نفوذ مادي أو أدبي.
و تعد المقاصد كما هو معلوم إحدى المعطيات التي يستند إليها المجتهدون في معرفة أحكام القضايا والحوادث واشترط الإمام الشاطبي رحمه الله لمن يبلغ درجة الاجتهاد شرطين لا تخرج عن حقيقة فهم مقاصد الشريعة ومعرفتها المعرفة الكاملة التي تؤهله للنظر والاستنباط ، فيقول : (( إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين :
أحدهما : فهم مقاصد الشريعة على كمالها .
والثاني : التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها )) ( ) .
ثم يقول رحمه الله : (( فإذا بلغ الإنسان مبلغاً فهم عن الشارع فيه قصده في كل مسألة من مسائل الشريعة ، وفي كل باب من أبوابها ، فقد حصل له وصف هو السبب في تنزيله منزلة الخليفة للنبي صلى الله عليه وسلم في التعليم والفتيا والحكم بما أراه الله ))( )
وأحسب أن الإمام الشاطبي رحمه الله ليس الوحيد الذي اشترط في المجتهد بلوغهُ الفهم الكامل لمقاصد الشريعة ، كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء المعاصرين ( ) ، بل قد جاء ما يؤكد أهمية معرفة مقاصد الشريعة أكثر من إمام من أئمة الأصول .
فهذا علي بن عبد الكافي السبكي رحمه الله قال في معرض بيانه لشروط المجتهد : ((أن يكون له الممارسة والتتبع لمقاصد الشريعة ما يكسبه قوة يفهم منها مراد الشرع من ذلك ))( ) وجاء عن أبيه تاج الدين أن العالم إذا تحققت له رتبة الاجتهاد جاز تقليده ، وذكر من شروط ذلك (( الاطلاع على مقاصد الشريعة والخوض في بحارها ))( )
وللموفق ابن قدامة رحمه الله نظير ذلك الشرط حينما ذكر القدر اللغوي الذي يتعلق بفهم الكتاب والسنة بقوله (( ويستولي به على مواقع الخطاب ودرك دقائق المقاصد فيه ))( )
يضاف إلى هذا أن الإمام السيوطي رحمه الله قد نقل عن الإمام الغزالي رحمه الله قوله : (( مقاصد الشرع قبلة المجتهدين من توجه جهة منها أصاب الحق ))( )
ولا شك أن من بلغ درجة النظر وتتبع مقاصد التشريع وعرف غاياته وأهدافه وتمكن من درك علل الأحكام كان حرياً بالوصول أحكام الشرع في كل ما ينزل ويجّد من واقعات تحدث للناس والمجتمع .

معالم الاجتهاد المقاصدي المعاصر :
إن من معالم الاجتهاد المقاصدي المعاصر:
_ وضع مقاصد قطعية لرفع الخلاف ولبلوغ حكم معين في قضية معينة ,
ولذلك سعى العلماء المعاصرون إلى بناء المقاصد وغيرها من المناهج المتعلقة ﺑﻬا على أسس قطعية قادرة على التعامل مع مختلف الإشكاليات الإنسانية عبر الزمان. فتصبح لها القدرة على أن ﺗﻬدي الفقيه في فتاويه، والمشرع القانوني في تكييف القضايا وعالم الاجتماع في معالجاته للظواهر والمشكلات الاجتماعية بشكل تضم فيه الجزئيات في إطار كلي متكامل يساعد على حل الإشكاليات المعقدة التي تواجه الأمة، بل والإنسانية.
وقد أدى اهتمام العلماء المعاصرين بالمقاصد إلى استنباط وإعادة تنسيق الكشف عن مناهج تساهم في ضبط حركة التعامل مع النصوص للكشف عن مقاصدها، وخاصة في العقود الأخيرة، وذلك من خلال التركيز على استخلاص
كليات القرآن الكريم وقيمه العليا ومقاصده. كما تزامن فتح الحوارات بين العلماء في العقود الأخيرة حول المقاصد ومناهج الكشف عنها خاصة في النص القرآني مع الدعوة إلى التركيز على تطوير الدراسات القرآنية، وبذل الجهد في تطوير مناهج منضبطة في فهم النص القرآن الكريم والسنة النبوية في محاولات لتوظيف الدلالات اللغوية والسياقات الاجتماعية والتاريخية والاستفادة من علوم اللسانيات المعاصرة والعلوم الاجتماعية والإنسانية وغيرها كأدوات ووسائل منهجية في الاستنباط، مع الحفاظ على مرجعية النص واستخلاص كلياته بالرجوع المستمر إليه وفقًا لتوجيهات الشارع. وبدأت تظهر بذور هذا المنهج في مناقشات وحوارات جمال الدين الأفغاني ثم محمد عبده الذي أكد وطور هذا المنهج وبدأ يدعو إلى بناء فقه السنن القرآني في الأمم وفي الحضارات الإنسانية، وتبعه تلميذه رشيد رضا ثم طورها مالك بن نبي في كتاباته حول الحضارة والثقافة والمدنية وغيرهم الكثير من العلماء
المعاصرين الذين ركزوا على دراسة القرآن الكريم في محاولات للكشف عن
مقاصد التشريع من منظور اجتماعي، أدى ﺑﻬم إلى طرح أهم التحديات
والإشكاليات الاجتماعية التي تواجه اﻟﻤﺠتمعات المعاصرة، مستنطقين القرآن
الكريم للإجابة عليها كالفقر والظلم والاستبداد وغياب دور المرأة وغيرها،
ضمن إطار مقاصدي.
وقد تبلور على سبيل المثال مراعاة منهج الوحدة البنائية في القرآن والذي
ظهر واضحًا في كتاب "النبأ العظيم" لمحمد عبد الله دراز الذي أصّل مفرداته وطبقه في أطول سورة في القرآن وأغناها تنوعًا في الموضوعات "سورة البقرة"، فبين التناسب والترابط والائتلاف بين آيات الكتاب اﻟﻤﺠيد وأجزائه.
وجاءت محاولات ابن عاشور في تسكين الأحكام المختلفة المتعلقة بالفعل
الإنساني اجتهادات متميزة تواكب تلك المرحلة الداعية للكشف عن المناهج
العلمية الدقيقة والقادرة على تقييم مختلف الأطروحات والتحديات التي تواجه
الأمة على جميع المستويات. فوظف ابن عاشور معطيات ابن خلدون المنهجية
وطورها، واستكمل ما فات الإمام الشاطبي، ومهد لمن جاء بعده خاصة في
محاولته لإخراج المقاصد من الإطار النظري إلى القيام بتطبيقات ناجحة للمقاصد في دوائر المعاملات والسلوكيات فركز على العائلة ومقاصد أحكامها، ووضع اللبنات التأسيسية لفقه العلاقات من خلال تنظيمه لمنظومة مقاصد العائلة في علاقات الصهر والقرابة والنكاح فتعامل معها كموضوع متكامل. وخرج ﺑﻬا من إطار التركيز على مقصد التناسل إلى تقديم الأسرة كمؤسسة اجتماعية مهمة تُخّلق فيها منظومة العلاقات الإنسانية بمختلف أواصرها، وتحدد فيها الحقوق والواجبات من خلال أنظمة دقيقة تحمي تلك العلاقات سواء في بناءها أوانحلالها. فظهرت الأسرة في مشروعه وكأﻧﻬا صورة لأمة مصغرة.6
وتضافرت الجهود منذ ذلك الوقت إلى الآن في بحوث جادة في تطويرالمقاصد وبناء لبناﺗﻬا كمنهج قطعي يقيم من خلاله الفعل الإنساني على مستوى العلماء والباحثين في مختلف الحقول ويمتد إلى الفرد والأسرة بل واﻟﻤﺠتمع العالمي.

الجمع والترجيح بالمقاصد :
إن أحكام الشريعة كلها حق وينبغي التزامها والعمل على التوفيق بينها والجمع ما أمكن ذلك، من أجل تحقيق مقاصد الشريعة بالتزام الأوامر والنواهي وأداء تكاليف الشرع.
والتوفيق بين الأدلة هو العمل بكلا الدليلين المتعارضين في الظاهر.هذا هو الأصل في الأدلة الشرعية، وأعني به الجمع بينها لأنها مطلوبة كلها، مرادة لله تعالى،
وبالنظر الفاحص يتبين الغرض من التوفيق بين الأدلة المتعارضة، فإن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما فهذا مقصد من مقاصد الشريعة، لأنها جاءت للتكليف بها والعمل بها وتعطيلها مناقض لهذا المقصد، وإهمال أحد الدليلين بدعوى العمل بالآخر فيه تعطيل هذا الدليل وهو إبطال للشريعة.
وكثير من إجراءات الفقهاء في الترجيح بين المتعارضين ، سواء في النصوص التي يظهر التعارض بينها ، أو في الأقيسة التي تتعارض ، أو الاستدلالات ؛ يراعي العلماء في ترجيحاتهم موافقة المقصود الشرعي في المسألة التي وقع التعارض في شأنها ، وهذا الاتجاه يظهر جلياً ويتبيّن بوضوح حين نستعرض بعض حالات الترجيح ومذاهب العلماء فيها، فيما يلي ـ بإذن الله تعالى ـ.
الحالة الأولى : إذا تعارض دليلان ، أحدهما يقتضي التحريم ، والآخر يقتضي الإباحة ، فإن العلماء كانوا في دفع هذا التعارض على ثلاثة مذاهب :
الأول: ترجيح مقتضي التحريم مطلقاً ، وهو مذهب الجمهور .
والثاني: ترجيح مقتضي الإباحة مطلقاً، وهو اختيار القاضي عبد الوهاب وأبي الفرج من المالكية ، ورجّحه الآمدي من وجه .
والثالث: أنه بتعارضهما يتساوى الحاظر والمبيح ، فيتساقطان، وهو قول القاضي الباقلاني والغزالي وعيسى بن أبان ( ).
ووجه تقديم الحظر على الإباحة ، أن في ارتكاب المحظور جلباً للمفاسد على النفس ، وليس في ترك المبيح إثمٌ يجلب المفسدة . وهذا نظر مقصدي .
ووجه ترجيح المبيح على الحاظر ما ذكره ابن الحاجب والآمدي
ـ رحمهما الله تعالى ـ أنه يلزم من تقديم الحظر فوات مقصود الإباحة، بخلاف ترجيح المبيح ، فإنه لا يلزم فوات مقصود التحريم ، لأن الإباحة تقتضي الترك والفعل ، فقد يترك المباح فلا يكون في ذلك فوات لمقصود التحريم إلى الترك( ).
وكما قال الآمدي: "إنَّا لو عملنا بما مقتضاه الإباحة ؛ فقد لا يلزم منه فوات مقصود الحظر ، لأن الغالب أنه إذا كان حراماً ؛ فلا بُدَّ أن تكون المفسدة ظاهرة ، وعند ذلك ؛ فالغالب أن المكلّف يكون عالماً بها ، وقادراً على دفعها ، لعلمه بعدم لزوم المحظور من ترك المباح ، ولأن المباح مستفاد من التخيير قطعاً ، بخلاف استفادة الحرمة من النهي ، لتردد النهي بين الحرمة والكراهة ، فكان مقتضى الإباحة أوْلَى"( ).
وهذا أيضاً نظر مقصدي ، فكلا المذهبين رجّح باعتبار المقصد الشرعي .
غير أنَّ رأياً بالتفصيل في هذه الحالة ، وهو أنْ يرجّح مقتضى التحريم في غير العاديّات ـ من العبادات والعقائد والأبضاع ـ لأن التحريم فيه أكثر اعتناءً للشارع ، وأكثر اعتباراً له ، وبناء الأصول على التحريم فيها ، فيُعلم أن قصد الشارع فيها هو تقديم المحرّم والحاظر على المبيح .
أما في العاديات والأشياء ؛ فالأولى ترجيح مقتضى الإباحة ، لأن اعتناء الشارع في إباحتها كان أكثر ، والاستقراء دلّ على أن الشرع يقصد التوسعة على المكلّفين في أمور العادات والأشياء ، من غير العبادات والعقائد والأبضاع ، إذ الأصل أنه تعالى خلق الأشياء للانتفاع بها والاستمتاع ، كما قال تعالى ( ). ولأنه عزّ وجلّ أنكر على من يبتغي تحريم الأشياء والعاديّات، فقال جلّ وعلا ( ). وغير ذلك من مواضع إظهار أن الكثير المطلق هو إباحة الأشياء والعادات.
لذلك إذا تعارض دليلان في الأبضاع ـ مثلاً ـ أحدهما يقتضي الإباحة ، والآخر يقتضي التحريم ، فالترجيح لمقتضي التحريم ، لأنه الموافق لمقصود الشارع في التحوّط لحفظ الأعراض ، ومنع كل ما يؤدي إلى انتهاكها ، ولذلك قال الفقهاء : "الأصل في الأبضاع التحريم"( ).
الحالة الثانية: إذا تعارض ما يكون حكم أحدهما أخفّ من الآخر، فهل يقدّم ما يقتضي التخفيف على ما يقتضي خلافه ، أمّ يقدّم الأثقل على الأخف ؟ . ذهب العلماء إلى القولين.
ووجه من قدّم الأخف على الأثقل : أن الشريعة مبناها على التخفيف على ما قال الله تعالى ( ) وعلى ما قال سبحانه : ( ) وغير ذلك من نصوص الكتاب والسنّة ( ).
وهذا على ما ترى ترجيح بنظر مقصدي .
أما وجه من قدّم الأثقل على الأخفّ فوجهه : أن الأحكام الشرعية إنما يُقصَدُ بها مصالح المكلّفين ، والمصلحة في الفعل الأشقّ أعظم منها في الفعل الأخفّ ، ولأنّ الغالب على الظنّ إنما هو تأخّر الأثقل عن الأخف ، نظراً إلى المألوف من أحوال العقلاء ، فإنّ من قَصَدَ تحصيل مقصود بفعل من الأفعال ؛ ولم يحصل به ؛ لا يقصد تحصيله بما هو أخف منه ، بل يقصد تحصيله بما هو أعلى منه ، وزيادة ثقله تدلّ على تأكّد المقصود منه على مقصود الأخفّ ( ).
وهذا أيضاً ترجيح باعتبار المقاصد .
الحالة الثالثة: أن يتعارض دليلان يكون أحدهما قد قُصد به بيان الحكم المختلف فيه ، والآخر لم يظهر فيه قصد بيان الحكم ، فيقدّم الذي قُصِد به البيان للحكم، لأنه كما قال الآمدي: "يكون أمسّ بالمقصود"( ).
ومن ذلك : التعارض بين قوله تعالى ( ) وقوله عزّ وجلّ ( ). فالآية الأولى قُصِدَ بها بيان تحريم الجمع بين الأختين في الوطء ، فتقدّم على الثانية حيث لم يُقصد بها بيان الجمع ( ).
ولا يخفى أن الترجيح هنا باعتبار المقصد .
الحالة الرابعة: في الترجيح بين الأقيسة بالنظر إلى عللها ووجه تعليلها ، وهذه الوجوه على ما يلي( ):
الوجه الأول: أن تكون علّة أحد القياسين مناسبة ، وعلة الآخر شبهية، فما علته مناسبة أوْلَى ، لزيادة مصلحتها وبعدها عن الخلاف .
الوجه الثانِي: أن يكون المقصود من إحدى العلّتين من المقاصد الضرورية ، والمقصود من العلة الأخرى غير ضروريّ ، فما مقصوده من الضرورية أوْلَى ، لزيادة مصلحته وغلبة الظن به ، ولقطعيته وعمومه .
الوجه الثالث: أن يكون مقصود إحدى العلّتين من الحاجيات ، ومقصود الأخرى من التحسينيات والتزيينيات ، فما مقصوده من باب الحاجيات أوْلَى لتعلّق الحاجة به دون مقابله .
الوجه الرابع: أن يكون مقصود إحدى العلّتين من مكمِّلات المصالح الضرورية ، ومقصود الأخرى من أصول الحاجيات ، فما مقصوده من مكمّلات الضروريات ، وإنْ كان تابعاً لها ومقابله أصلٌ في نفسه ؛ يكون أوْلَى .
الوجه الخامس: أن يكون مقصود إحدى العلّتين حفظ أصل الدين، ومقصود الأخرى ما سواه من المقاصد الضرورية ، فما كان مقصوده حفظ أصل الدين أوْلَى.
وإذاعرفت ركن المعارضة وشرطها، وجب أن تبني عليه كيفية المخلص عن المعارضة على سبيل العدم، وذلك خمسة أوجه: من قبل الحجة ومن قبل الحكم، ومن قبل الحال، ومن قبل الزمان صريحا ومن قبل الزمان دلالة

العدول عن القياس الكلّيّ إلى مصلحة جزئية:
فالأصل ألا يحيد المجتهد الناظر مواضع القياس الجاري ، لأن القياس إذا جرى واستمرّ صار موضعه قاعدة من القواعد الكلية ، ولكنه ربما يلاحظ أنَّ إقرار حكم معيّن من الأحكام القائمة على القياس الكليّ يؤدي إلى حرج شديد أو ضيق ومشقة يجلب الشارع عند بلوغها التيسير، فيعدل بذلك الحكم عن مقتضى القياس إما جلباً للتيسير عند المشقة أو دفعاً للضرر أو رعاية للمصلحة الجزئية .
ومن اجتهد بهذا المسلك لم يرجع إلى مجرد الهوى والتشهّي ـ كما يقول الشاطبي ـ رحمه الله تعالى ـ: "وإنما رجع إلى ما عُلِم من قصد الشارع في الجملة… كالمسائل التي يقتضي القياس فيها أمراً ، إلاّ أن ذلك الأمر لو أجري القياس فيه يؤدي إلى فوْت مصلحة من جهة أخرى أو جلب مفسدة كذلك ، فيكون إجراء القياس مطلقاً فيه ـ وإنْ كان ضرورياً أو حاجياً ـ يؤدي إلى حرج ومشقة في بعض موارده ، فيستثنى موضع الحرج"( ).
وهذا هو المراد بالاستحسان عند المالكية .
ومن أمثلة الاجتهاد المقاصدي بالعدول عن مقتضى القياس الجاري إلى مصلحة جزئية :
[1] اجتهاد عمر بن الخطاب  في حضرة النبي  حين منع أبا هريرة  من تبشير الناس بما بشّره به النبي  بأن يبشر بالجنة من لقيه يشهد أن لا إله إلاَّ الله مستيقناً بها قلبه .
وهذا أمر من النبي  واجب الامتثال ، وهو علم شرعي القياس يقتضي إبلاغه ونشره للناس حتى يكونوا على علم به ، ولكن عمر بن الخطاب رأى أن في تبشيرهم به مفسدة من جهة أخرى حيث إنَّهم سيعتمدون على هذه البشارة؛ فيتكلون عليها ولا يعملون شيئاً .
فعن أَبُي هُرَيْرَةَ  قَالَ : كُنَّا قُعُودًا حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ  مَعَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فِي نَفَرٍ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ  مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا وَفَزِعْنَا فَقُمْنَا فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي رَسُولَ اللَّهِ  حَتَّى أَتَيْتُ حَائِطًا لِلأَنْصَارِ لِبَنِي النَّجَّارِ فَدُرْتُ بِهِ هَلْ أَجِدُ لَهُ بَابًا فَلَمْ أَجِدْ ، فَإِذَا رَبِيعٌ يَدْخُلُ فِي جَوْفِ حَائِطٍ مِنْ بِئْرٍ خَارِجَةٍ ـ وَرَّبِيع: جَدْوَل ـ فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ  فَقَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ ! فَقُلْتُ : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! قَالَ : مَا شَأْنُكَ ؟ قُلْتُ: كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَقُمْتَ فَأَبْطَأْتَ عَلَيْنَا فَخَشِينَا أَنْ تُقْتَطَعَ دُونَنَا فَفَزِعْنَا فَكُنْتُ أَوَّلَ مِنْ فَزِعَ فَأَتَيْتُ هَذَا الْحَائِطَ فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ وَهَؤُلاءِ النَّاسُ وَرَائِي . فَقَالَ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ـ وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ ـ قَالَ : ( اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ ). فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيتُ عُمَرُ فَقَالَ: مَا هَاتَانِ النَّعْلانِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ فَقُلْتُ : هَاتَانِ نَعْلا رَسُولِ اللَّهِ  بَعَثَنِي بِهِمَا مَنْ لَقِيتُ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ. فَضَرَبَ عُمَرُ بِيَدِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ فَخَرَرْتُ لاسْتِي فَقَالَ : ارْجِعْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ  فَأَجْهَشْتُ بُكَاءً وَرَكِبَنِي عُمَرُ فَإِذَا هُوَ عَلَى أَثَرِي ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ : مَا لَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ قُلْتُ : لَقِيتُ عُمَرَ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي بَعَثْتَنِي بِهِ فَضَرَبَ بَيْنَ ثَدْيَيَّ ضَرْبَةً خَرَرْتُ لاسْتِي قَالَ ارْجِعْ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ : يَا عُمَرُ ! مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبي أَنْتَ وَأُمِّي ! أَبَعَثْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ بنَعْلَيْكَ مَنْ لَقِيَ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ ؟ قَالَ: نَعَمْ، ‏قَالَ: فَلا تَفْعَلْ فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : فَخَلِّهِمْ)( ).
قال النووي ـ رحمه الله تعالى ـ في شرح الحديث : "وفيه جواز إمساك بعض العلوم التي لا حاجة إليها للمصلحة أو خوف المفسدة" اهـ( ).
ومثله ما فعله أحد أصحاب رسول الله ، لمَّا أراد النبي  أن يبشّر الناس بأمر اعترض عليه مخافة أن يتكلوا . فعن تَمِيمِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى بَنِي زَمْعَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ  قَالَ خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ  ذَاتَ يَوْمٍ ثُمَّ قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ ! ثِنْتَانِ مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّهُمَا دَخَلَ الْجَنَّةَ . قَالَ فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لا تُخْبِرْنَا مَا هُمَا . ثُمَّ قَالَ : اثْنَانِ مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّهُمَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الثَّالِثَةُ أَجْلَسَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ  فَقَالُوا : تَرَى رَسُولَ اللَّهِ  يُرِيدُ يُبَشِّرُنَا فَتَمْنَعُهُ! فَقَالَ : إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ . فَقَالَ : ثِنْتَانِ مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّهُمَا دَخَلَ الْجَنَّةَ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ)( ).
ولعل قارئاً يقول : أَمَا منعه الصحابة رضوان الله عليهم من الاعتراض على رسول الله  ؟!.
والجواب : أنّ الصحابة لمَّا منعوه من الاعتراض عليه فأخبرهم الحامل له على الاعتراض بقوله :" إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ " سكتوا عنه إقراراً له.
فثبت أنه قد يُترك كثير مما يحسن إبلاغه من العلم إذا رأى المجتهد أنّه يؤدي إلى مفسدة من جهة أخرى أو يفوّت مصلحة كذلك ، مع أن القياس هو نشر العلم وبسطه وإبلاغه ,



الجمع بين كليات الشريعة وجزئياتها :
والقصد بالجمع بين الكليات والجزئيات.. الجمع بين الأدلة الدالة للقطع والمستقرأة من جزئيات. أفادت كالكليات الثلاث: وهي الضروري والحاجي والتحسيني مثل "الضرورات تبيح المحظورات" "وتقدر بقدرها" "والمشقة تجلب التيسير"... وهناك الكليات النصية العامة كقوله تعالى: "إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدْلِ وَالإحْسَان...الآية" "إن الله يَأمُرُكُمْ أنْ تُؤَدُّوا الأمانَاتِ إلَى أهْلِهَا وَإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْل...الآية" "وَأوْفُوا بِالعُقُود" "وَأوْفُوا بِالعَهْد" "الاَّ تَزِرُوا وَازِرَةٌ وِزْرُ أخْرَى" , وفي الحديث: "لا ضرر ولا ضرار" "إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا" "إن الله كتب الإحسان على كل شيء" "إنما الاعمال بالنيات". فيجب الجمع بين هذه الكليات، وبين تلك الأجزاء؛ التي بجمعها ولمِّ شتاتها أعطت الكلي منه صورة قطعية ثابتة الحكم.
فمعرفة حقيقة الجزئي ومفاده العلمي لا يرى إلا من خلال الأدلة الكلية، وكذلك الكلي بدون الجزئي لا حقيقة لوجوده إلا في الأذهان والعقول لا في الخارج الواقعي, ومفاد القول الجمعي بينهما؛ أنه لا يجوز الاستغناء في استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية بِوَاحد، دون الرجوع إلى القواعد الأصولية المقصودة للشارع، وكذلك لا يجوز الركون إلى القواعد بدون عرضها على التفصيليات, فثمرة الاجتهاد التكاملي موقوفة على معية عملية المتلازمين المذكورين, وهذا نوع من ضروب الاجتهاد المقاصدي .
يقول الإمام الشاطبي: "لما انبنت الشريعة على قصد المحافظة على المراتب الثلاث من الضروريات والحاجيات والتحسينات، وكانت هذه الوجوه مبثوثة في أبواب الشريعة وأدلتها غير مختصة بمحل دون محل، ولا بباب دون باب، ولا بقاعدة دون قاعدة؛ كان النظر الشرعي فيها أيضاً عاماً لا يختص بجزئية دون أخرى؛ لأنها كليات تقضى على كل جزئي تحتها... [و] ليس فوق هذه الكليات كلي تنتهى إليه، بل هي أصول الشريعة، وقد تمت فلا يصح أن يفقد بعضها حتى يفتقر إلى إثباتها بقياس أو غيره، فهي الكافية في مصالح الخلق عموما وخصوصاً؛ لأن الله تعالى قال: "اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُم" [المائدة-3] وقال: "مَا فَرَّطْنَا فِيْ الكِتَابِ مِنْ شَيء" [الأنعام-38], وفي الحديث "تركتكم على الجادة"[أخرجه في التيسير عن رزين] وقوله صَلَى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم:"لا يهلك على الله إلا هالك" [جزء من حديث رواه الشيخان كما في الجامع الصغير] .
وإذا كان كذلك، وكانت الكليات -والتي هي أصول الشريعة- فما تحتها من الجزئيات مستمدة من تلك الأصول الكلية؛ فمن الواجب اعتبار تلك الجزئيات بهذه الكليات عند إجراء الأدلة الخاصة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
والإشكالية عند الإمام الشاطبي يتبلور هنا عند من يقوم بالعملية الاجتهادية، أو الفتوى عند استنباط الأحكام، أو عرض مسألة شرعية، مستنداً إلى جزئيات الشريعة معرضاً عن كلياتها، وكأنها مستغنية عنها، أو الذي يأخذ بالكلي تاركاً الجزئي، والعملية الأولى أقرب ما يكون هدم الكلي بالجزئي، فيكون هدماً للشريعة، والعلمية الثانية هي ابتناء للأحكام على الفكر الذهني غير الموجود في الخارج، فيكون وهماً؛ لأن بدون الجزئي لا وجود للكلي. يقول الشاطبي: " محال أن تكون الجزئيات مستغنية عن كلياتها... وكما أن من أخذ بالجزئي معرضاً عن كليه فهو مخطئ، كذلك من أخذ بالكلي معرضاً عن جزئيه وبيان ذلك:
[1-] أن تلقي العلم بالكلي إنما هو من عرض الجزئيات واستقرائها، فالكلي من حيث هو كلي غير معلوم لنا قبل العلم بالجزئيات، ولأنه ليس بموجود في الخارج وإنما هو مضمن في الجزئيات..
[2-] الجزئي لم يوضع جزئيا إلا لكون الكلي فيه على التمام وبه قوامه، فالإعراض عن الجزئي من حيث هو جزئي إعراض عن الكلي نفسه ..
[3-] أن الإعراض عن الجزئي جملة يؤدي إلى الشك في الكلي من جهة أن الإعراض عنه إنما يكون عند مخالفته للكلي أو توهم المخالفة له، وإذا خالف الكلي الجزئي مع أنا إنما نأخذه من الجزئي دل على أن ذلك الكلي لم يتحقق العلم به... وهذا كله يؤكد لك أن المطلوب المحافظة على قصد الشارع..
[4-] إذا ثبت بالاستقراء قاعدة كلية ثم أتى النص على جزئي يخالف القاعدة بوجه من وجوه المخالفة فلا بد من الجمع في النظر بينهما..
[5-]... لو أعرض عن الجزئيات بإطلاق لدخلت مفاسد ولفاتت مصالح وهو مناقض لمقصود الشارع، ولأنه من جملة المحافظة على الكليات لأنها يخدم بعضها بعضا.. وقد علم أن بعضها قد يعارض بعضا فيقدم الأهم حسبما هو مبين في كتاب الترجيح والنصوص والأقيسة المعتبرة .

تطبيقات توفيقية للجمع بين الكلي والجزئي وما يؤول إليه الحكم :
حفظ الضروريات يستلزم العلم بجهة الحفظ؛ لئلا يؤدي إلى الإخلال بها أو مكملاتها مثال:
* يجب القصاص بالقتل بالمثقل وفق قصد الشارع في تثبيت القصاص حفظا للحياة. ولو اقتصر على المحدد لم ينسد باب القتل وهو مخالف قصد الشارع.
* إقامة الصلاة بتمامها ضروري ورخصة القصر والجمع وعدم القيام للمريض فيها حاجي، فجمع الشرع بين الضروري - حفظ الدين - والحاجي - رفع الحرج - ووفق قاعدة المشقة تجلب التيسير. وهكذا مع الرخص الأخرى.
* الربا مدفوع بقاعدة حفظ المال وغيره، وبيع العرايا مخصص دفعا للحرج – الحاجي- فجمعنا بين الأصل والتبع لأنهما مكملان للبعض.
يقول الشاطبي: "إن تلك المراتب الثلاث[الضروريات والحاجيات والتحسينيات] يخدم بعضها بعضا ويخص بعضها بعضا، فإذا كان كذلك فلا بد من اعتبار الكل في مواردها وبحسب أحوالها" .

التدرج في تنزيل الأحكام الشرعية :
إن فقه التدرج باب عظيم من أبواب الدعوة إلى الله وهو علم يحتاج إلى فقه كامل بأحكام الدين ولا أعني بالفقه حفظ النصوص وأقوال الأئمة بل كلمة الفقه كلمة واسعة تعني أكثر من ذلك، فالفقه هو العلم بالأحكام ونصوصها ثم ربط هذه الأحكام بعضها ببعض في إطار واحد، تظهر فيه محاسن الشريعة ومقاصدها، وحكم الله في تشريع شرائعه وأحكامه. وتظهر فيه أولويات هذا الدين، فبعض الأحكام أولى في تطبيقها من بعض، وأن بعض التشريعات يجب أن تقدم على تشريعات أخرى، وهذا الفهم لا يتم إلا بالنظر المتدبر المتأني، والعقل المتأمل المتفكر.
وإن من أهم دعائم فقه التدرج هو علم هذه الأولويات، حتى يتسنى للفقيه أن يعلم من أين يبدأ، وما هو الذي يجب أن يطبق أولاً وإلى ماذا يتدرج منه.
ثم لا يكفي أن يكون الفقيه عالماً بأحكام الدين، حافظاً لها، عالماً بمقاصد الشريعة الإسلامية ومدركاً لأصولها، بل يجب عليه كذلك أن يلم بواقع المجتمع ويدرس ما فيه من طبائع وصفات ويشخص ما فيه من علل وأمراض حتى يتمكن من علاجها.
وفهم واقع المجتمع يمكن الفقيه من تحديد عدة أشياء، منها أمراض المجتمع على وجه التحديد، ثم من أين يبدأ العلاج، وكيف يتدرج به، وما هو الأولى في التقديم والتطبيق، وفهم الواقع كذلك يساعد على تحديد كمية العلاج في كل مرحلة من التدرج لأن كل مرحلة تحتاج إلى فقه ونوع معين من أنواع العلاج، فالذي لا يفهم واقع المجتمع ولا يتفحص فيه قد يعطي المجتمع في إحدى المراحل أكثر مما يجب أن يعطى له فيها، أو قد يعطيه أقل مما يجب أن يعطى له فيه.

وأما علاج كل مرحلة ونوعه، فإنه يتحدد بواقع المجتمع وأفراده فالمجتمعات متباينة في عاداتها وتقاليدها، وفي درجة التمسك بهذه الموروثات والتقاليد وتختلف كذلك في درجة تمسكها بالدين والالتزام بتعاليمه.
فأولويات التطبيق وكيفية التدرج تتحدد بعد دراسة حال المجتمع المراد تغييره. ومهمة الدعاة هي الجمع بين الفقه لهذا الدين وفقه واقع المجتمع وطبائع الناس فيه، وتحليل الأمراض ومعرفة أسبابها، وعند ذلك سوف تثمر الإصلاحات ـ إن شاء الله تعالى ـ وتؤثر في المجتمع.

الترحيب بالجديد النافع
لا ينبغي أن نجعل أكبر همنا مقاومة كل جديد ٬ وإن كان نافعا ٬ ولا مطاردة كل غريب وإن كان صالحا ٬ وإنما يجب أن نفرق بين ما يحسن اقتباسه وما لا يحسن ٬ وما يجب مقاومته وما لا يجب ٬ وأن نميز بين ما يلزم فيه الثبات والتشدد ٬ وما تقبل فيه المرونة والتطور.
ومعنى هذا أن نميز بين الأصول والفروع ٬ بين الكليات والجزئيات ٬ بين الغايات والوسائل ٬ففي الأولى نكون في صلابة الحديد ٬ وفي الثانية نكون في ليونة الحرير , ومن هنا يجوز لنا أن نقتبس من أنظمة الشرق أو الغرب ٬ ما لا يخالف عقيدتنا وشريعتنا ٬مما يحقق المصلحة لمجتمعاتنا ٬ على أن نصبغه بصبغتنا ٬ ونضفي عليه من روحنا ٬حتى يغدو جزءا من نظامنا ٬ ويفقد جنسيته الأولى ٬ كما رأينا ذلك فيما اقتبسه المسلمون في العصور الذهبية من الأمم الأخرى.

ألا نغفل روح العصر وحاجاته :
ألا ننسى أننا في القرن الخامس عشر الهجري ٬ لا في القرن العاشر ٬ ولا ما قبله ٬ وأن لنا حاجاتنا ومشكلاتنا التي لم تعرض لمن قبلنا من سلف الأمة وخلفها ٬ وأننا مطالبون بأن نجتهد لأنفسنا ٬ لا أن يجتهد لنا قوم ماتوا قبلنا بعدة قرون ٬ ولو أنهم عاشوا عصرنا اليوم ٬ وعانوا ما عانينا ٬ لرجعوا عن كثير من أقوالهم ٬ وغيروا كثيرا من اجتهاداتهم ٬ لأنها قيلت لزمانهم ٬ وليس لزماننا. وقد رأينا أصحاب الأئمة وتلاميذهم يخالفونهم بعد موتهم وهم متبعون لأصولهم لتغير العصر اللاحق عن العصر السابق ٬ رغم قرب المدة ٬ وقصر الزمان, بل رأينا إماما كالشافعي يغير اجتهاده في عصرين قريبين ٬ قبل أن يستقر في مصر ٬وبعد أن استقر في مصر ٬ وعرف تاريخ الفقه مذهبه القديم ٬ ومذهبه الجديد ٬ وأصبح معروفا في كتب المذهب: قال الشافعي في القديم وقال الشافعي في الجديد.
فكيف بعصرنا ٬ وقد تغير فيه كل شيء ٬ بعد عصر الانقلاب الصناعي ٬ ثم عصر التقدم التكنولوجي ٬ عصر غزو الكواكب و"الكمبيوتر" وثورة البيولوجيا التي تكاد تغير مستقبل الإنسان؟!!
فعلينا ونحن نجتهد أن نعترف بما طرأ على حياتنا من تغيرات في الأفكار والأعراف والعلاقات والسلوك ٬ وأن نقدر ظروف العصر وضروراته ٬ وما عمت به البلوى ٬ وأن نطبق على الواقع ما قرره علماؤنا من تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والعرف والحال.
ورحم الله ابن أبي زيد القرواني صاحب "الرسالة" المشهورة في الفقه المالكي ٬ حيث كان يسكن في أطراف المدينة ٬ فاتخذ كلبا للحراسة فقيل له: كيف تفعل ذلك ومالك يكرهه؟ فقال: لو كان مالك في زماننا لاتخذ أسدا ضاريا!

الانتقال إلى الاجتهاد الجماعي :
ينبغي في القضايا الجديدة أن ننتقل من الاجتهاد الفردي إلى الاجتهاد الجماعي ٬ الذي يتشاور فيه أهل العلم في القضايا المطروحة ٬ وخصوصا فيما يكون له طابع العموم ٬ويهم جمهور الناس.
فرأى الجماعة أقرب إلى الصواب من رأي الفرد ٬ مهما علا كعبه في العلم ٬ فقد يلمح شخص جانبا في الموضوع لا ينتبه له آخر ٬ وقد يحفظ شخص ما يغيب عن غيره ٬ وقد تبرز المناقشة نقاطا كانت خافية ٬ أو تجلي أمورا كانت غامضة ٬ أو تذكر بأشياء كانت منسية. وهذه من بركات الشورى ٬ ومن ثمار العمل الجماعي دائما: عمل الفريق ٬ أو عمل المؤسسة ٬ بدل عمل الأفراد.
وقد روى الطبراني في الأوسط عن علي بن أبي طالب قال: قلت: "يا رسول الله إن عرض لي أمر لم ينزل فيه قضاء في أمره ٬ ولا سنة ٬ كيف تأمرني؟ قال: تجعلونه شورى بين أهل الفقه والعابدين من المؤمنين ٬ ولا تقض فيه برأيك خاصة". وهذا هو الاجتهاد الجماعي.
وكانت هذه هي طريقة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ٬ كما روى ذلك الدارمي والبيهقي عن ميمون بن مهران فكان أبو بكر إذا لم يجد في القضية كتابا ولا سنة ٬ دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم فاستشارهم ٬ فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به.
وكان عمر إذا لم يجد في القضية كتابا ولا سنة ٬ ولا قضاء من أبي بكر ٬ دعا رؤوس المسلمين وعلمائهم فاستشارهم ٬ فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به.
وروى الدارمي عن المسيب بن رافع قال: "كانوا إذا نزلت بهم قضية ليس فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ٬ اجتمعوا لها وأجمعوا ٬ فالحق فيما رأوا".
وكثير من الإجماعات المحكية في الفقه مصدرها هذا الاجتهاد الجماعي الشوري في عهد الشيخين رضي الله عنهما.
وهذا الاجتهاد الجماعي المنشود يتمثل في صورة مجمع علمي إسلامي عالمي يضم الكفايات العليا من فقهاء المسلمين في العالم ٬ دون نظر إلى إقليمية أو مذهبية ٬ أو جنسية ٬ فإنما يرشح الشخص لعضوية هذا المجمع فقهه وروعه ٬ لا ولاءه لهذه الحكومة أو ذاك النظام ٬ أو قرابته أو قربه من الحاكم أو الزعيم.
يجب أن يتوافر لهذا المجمع كل أسباب الحرية ٬ حتى يبدي رأيه بصراحة ٬ ويصدر قراره بشجاعة ٬ بلا ضغط ولا إرهاب من الحكومات أو من قوى الضغط في المجتمع. يجب أن يتحرر من الضغوط السياسية والاجتماعية معا.
والحق أنه لا حرية لمجمع تعين أعضاءه حكومة إقليمية ٬ على أرضها يقوم المجمع ٬ ومن مالها ينفق عليه ٬ أو على الأقل لا ضمان لهذه الحرية. فالحكومة عادة لا تختار إلا من يواليها ٬ ولا تنفق على مؤسسة لا تدور في فلكها.
ولهذا يكون من الخير أن يجتمع علماء المسلمين ٬ أو صفوتهم من كل أقطار العالم في صورة مؤتمر كبير ٬ يحدد زمانه ومكانه ٬ ليختاروا هم من بينهم من يرونه أحسن فقها ٬وأقوم خلقا ٬ ليتكون منهم المجمع العلمي الذي ننشده.
وإذا اتفق علماء هذا المجمع على رأي في مسألة من المسائل الاجتهادية اعتبر هذا ''إجماعا" من مجتهدي العصر ٬ له حجيته وإلزامه في الفتوى والتشريع.
وإذا اختلفوا كان رأي الأكثرية هو الأرجح ٬ ما لم يوجد مرجح آخر له اعتبار شرعا.على أن هذا الاجتهاد الجماعي لا يقضي على اجتهاد الأفراد ولا يغني عنه. ذلك أن الذي ينير الطريق للاجتهاد الجماعي هو البحوث الأصيلة المخدومة التي يقدمها أفراد المجتهدين ٬ لتناقش مناقشة جماعية ويصدر فيها بعد البحث والحوار قرار المجمع المذكور بالإجماع أو الأغلبية.
وإذا لم يوجد هذا النوع من البحوث الاجتهادية الفردية ٬ فالجماعي هو البحوث الأصيلة المخدومة التي يقدمها أفراد المجتهدين لتناقش مناقشة جماعية ويصدر فيها بعد البحث والحوار قرار المجمع المذكور بالإجماع أو الأغلبية.
وإذا لم يوجد هذا النوع من البحوث الاجتهادية الفردية ٬ فإن القرارات الجماعية كثيرا ما توجد فيها ثغرات تجعلها عرضة للنقد والتشكيك.
وسيظل حق الأفراد في الاجتهاد قائما على كل حال ٬ بل إن عملية الاجتهاد في ذاتها عملة فردية في الأساس ٬ وإنما الاجتهاد الجماعي هو التشاور فيما وصل إليه أفراد المجتهدين ٬كما رأينا.







المصادر والمراجع :
*الموافقات الشاطبي ابي إسحاق إبراهيم بن موسى الغرناطي المالكي, الموافقات في أصول الشريعة, تحقيق, الشيخ عبدالله دراز (القاهرة: دار الحديث, ط 2006, 3/5-12.
*الأفغاني، جمال الدين، الأعمال الكاملة، تحقيق: د. محمد عمارة (بيروت: المؤسسة العربية
للدراسات والنشر، 1981 م). انظر أيضًا: جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، العروة الوثقى ,بيروت: دار الكتاب العربي
*العلواني، طه، الوحدة البنائية للقرآن المجيد (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2006 م).
*دراز، محمد عبدالله، النبأ العظيم: نظرات جديدة في القرآن، تحقيق: عبد الحميد أحمد الدخاخني ( القاهرة: دار المرابطين، دار طيبة، 1997 م). والشيخ دراز هو الذي قام بتحقيقوالتعليق على كتاب الموافقات للشاطبي والذي يعد ركيزة علم المقاصد.
*الاسنوي: محمد بن عبد الرحيم بن الحسن الاسنوي نهاية السول في شرح مناهج الأصول، عالم الكتب.

*الباجي: سليمان بن خلف الباجي الأندلسي.أحكام الفصول.وتنقيح الفصول،
منتهى الوصول والأمل: لابن الحاجب،

*الآمدي: علي بن أبي علي بن محمد الآمدي.الأحكام في أصول الأحكام، ضبطه وكتب هوامشه: الشيخ إبراهيم العجوز،دار الكتب العلمية، بيروت _ لبنان.
*نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي, أحمد الريسوني, تقديم, طه جابر العلواني, (المعهد العالمي للفكر الإسلامي, ط4, 1995م), ص369-372.
* ابن رشد: محمد بن أحمد بن رشد القرطبي.بداية المجتهد ونهاية المقتصد، المكتبة التجارية الكبرى بمصر.

*السيوطي: جلال الدين عبد الرحمن. الأشباه والنظائر، شركة المطبعة مصطفي البابي الحلبي وأولاده، الطبعة الأخيرة 1378 ه,

*ابن نجيم: زين العابدين بن ابراهيم بن محمد بن بكر.الأشباه النظائر علي مذهب أبي حنيفة النعمان، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، طبعة 1405ه _ 1985 م
* الاجتهاد في الشريعة الإسلامية للدكتور محمد فوزي فيض الله
*[ روضة الناظر - ابن قدامة ] الكتاب : روضة الناظر وجنة المناظرالمؤلف : عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي أبو محمد
الناشر : جامعة الإمام محمد بن سعود – الرياض الطبعة الثانية ، 1399
تحقيق : د. عبد العزيز عبد الرحمن السعيد عدد الأجزاء : 1
* الإبهاج في شرح المنهاج على منهاج الوصول إلى علم الأصول للبيضاوي
المؤلف : علي بن عبد الكافي السبكي الناشر : دار الكتب العلمية – بيروت الطبعة الأولى ، 1404تحقيق : جماعة من العلماء عدد الأجزاء3

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
معالم الاجتهاد المقاصدي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى ماستر مقاصد الشريعة الإسلامية  :: الوحدات الأساسية :: الاجتهاد المقاصدي و القضايا المعاصرة عند مالكية الغرب الإسلامي-
انتقل الى: