منتدى ماستر مقاصد الشريعة الإسلامية
السلام عليكم ورحمة الله تعالى و بركاته، أهلا و سهلا بك في منتدى ماستر مقاصد الشريعة الإسلامية عند مالكية الغرب الإسلامي بين النظرية والتطبيق.

منتدى ماستر مقاصد الشريعة الإسلامية

منتدى ماستر مقاصد الشريعة الإسلامية عند مالكية الغرب الإسلامي بين النظرية والتطبيق- كلية الآداب سايس- بفاس
 
الرئيسيةالبوابةبحـثالتسجيلدخول
الإعلانات التي تظهر لسنا مسؤولين عنها في المنتدى، في القريب سنعمل على حذفها

شاطر | 
 

 التفسيير المقاصدي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد الجبار كنادي



عدد المساهمات : 8
تاريخ التسجيل : 02/01/2013
العمر : 34

مُساهمةموضوع: التفسيير المقاصدي   الخميس 10 يناير 2013, 09:03





























مقدمة :

إن الحديث عن التفسير المقاصدي باعتباره نوعا من أنواع التفسير في مرحلة التجديد ، يعتبر أمرا في غاية الأهمية ، وذلك لأن تناول المقاصد القرآنية من خلال التفسير يضفي على النص القرآني حيويته وفعاليته وينفي عن تفسيره الجمود،ولقد عاشت الحركة التفسيرية حقبا من الزمان تتوسع في استنباط الأحكام الفقهية دون المعاني والحكم والمقاصد منها ،حتى جاء علماء المقاصد وكشفوا شيئا من مقاصد القرآن الكريم في تشريع الأحكام خصوصا وفي التفسير عموما ،إلا أن الحاجة لا تزال ماسة في التأصيل للتفسير المقاصدي والتعريف بمفهومه وإبراز معالمه.وإذا كان الأمر كذلك ،

 فما المراد بالتفسير المقاصدي ؟
 وماهي جدوره التاريخية ؟
 وماالمراحل التي مر بها ؟
 وما موجباته ؟
 ومتى ظهر إلى حيز الوجود ؟










المبحث التمهيدي: تعريف التفسير و المقاصد

المطلب الأول : تعريف التفسير لغة واصطلاحا
التفسير لغة ،التفسير مصدر على وزن تفعيل وفعله الماضي رباعي مضعف "فسر"تقول فسر يفسر تفسيرا ،وفي لسان العرب الفسر كشف المغطى ،والتفسير كشف المراد عن اللفظ المشكل ، و من معاني التفسير في اللغة : البيان و الكشف و الاظهار والتوضيح .
التفسير اصطلاحا ،هناك تعاريف متباينة مختلفة ،اخترت منها تعريف الامام بدر الدين الزركشي حيث قال : " التفسير علم يعرف به فهم كتاب الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه و سلم و بيان معانيه ،و استخراج أحكامه و حكمه و استمداد ذلك من علم اللغة و النحو و التصريف و علم البيان و أصول الفقه و القراءات و يحتاج لمعرفة أسباب النزول و الناسخ و المنسوخ ".
و هناك تعريف آخر للعلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله ،عرفه بقوله : " التفسير اسم للعلم الباحث عن بيان معاني ألفاظ القرآن و ما يستفاد منها باختصار أو توسع " .
بعدما عرجنا على معنى التفسير في اللغة و الاصطلاح نصل إلى تعريف المقاصد لغة واصطلاحا .
المطلب الثاني : تعريف المقاصد لغة واصطلاحا
المقاصد لغة ،كلمة مقاصد على وزن مفاعل وتعزى كلمة المقاصد في معناها اللغوي إلى فعل "قصد"قال ابن فارس" قصد" القاف، والصاد، والدال ،أصول ثلاثة ،يدل أحدهما على إتيان الشيء وأمه ،والأخر على اكتناز في الشيء،فالأصل قصدته قصدا ومقصدا ،
المقاصد اصطلاحا،عرفها الطاهر بن عاشور بقوله : هي المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أومعظمها ،بحيث لاتختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة ،
وعرفها علال الفاسي ـ رحمه الله ـ بقوله ،الغاية منها والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها ،
وعرفها الدكتور أحمد الريسوني ،هي الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها ، لمصلحة العباد ،

المبحث الأول : التفسير المقاصدي - نشأته ،مراحله ،موجباته
المطلب الأول : مقاصدية القرآن الكريم:
إن جميع المقاصد الشرعية المعتبرة والمعلومة والمقررة في الدراسات الشرعية إنما هي راجعة في جملتها أو تفصيلها,تصريحا أوتضمينا إلى هدي القرآن وتعاليمه وأسراره وتوجيهاته.
ولم تخل كتب المتقدمين من ورود هذا المصطلح فقد تردد على ألسنة العلماء قديما و حديثا ، فعند القدامى نجده عند العز بن عبد السلام في مواضع عدة من كتابه قواعد الأحكام كقوله " معظم مقاصد القرآن الأمر باكتساب المصالح و أسبابها و الزجر عن اكتساب المفاسد وأسبابها "
و ممن استعمل هذا المصطلح من المعاصرين الإمام الطاهر بن عاشور في مقدمات التحرير و التنوير ،حيث قال :" فغرض المفسر بيان ما يصل إليه أو ما يقصده من مراد الله تعالى في كتابه بأتم بيان يحتمله المعنى و لا يأباه اللفظ من كل ما يوضح المراد من مقاصد القرآن" .
و عرفها عبد الكريم حامدي بقوله :" مقاصد القرآن هي الغايات التي أنزل الله القرآن لأجلها تحقيقا لمصالح العباد "
و قد ألفت مؤلفات في هذا الباب ،من ذلك كتاب حسن البنا عنونه بمقاصد القرآن الكريم،وعبد الكريم حامدي له كتاب بعنوان مقاصد القرآن من تشريع الأحكام ،و نلمس ذلك جليا في تفسير التحرير و التنوير حينما فسر سورة الفاتحة قال : إنها تشتمل على أنواع ثلاثة من مقاصد القرآن و هي : الثناء على الله ثناء جامعا لوصفه بجميع المحامد و تنزيهه عن جميع النقائص ،و لإثبات تفرده بالإلهية و إثبات البعث و الجزاء
ويمكن النظر إلى مقاصدية القرآن الكريم عل جهة الإجمال من خلال ما يلي:
_ القرآن الكريم منه تستفاد مقاصد الشارع الحكيم من إرسال الرسل وتنزيل الكتب وبيان العقيدة والأحكام وتكليف المكلفين ومجازاتهم, وبعث الخلائق والحياة والكون و الوجود..فقد جاء أن المقصد من الخلق هو عبادة الخالق سبحانه والامتثال له, وقد دلت على هذا آيات كثيرة منها قوله تعالىSadوما خلقت الجن و الانس إلا ليعبدون) وقوله سبحانهSadأفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لاترجعون)...
_ من القرآن الكريم ثبتت الكليات الشرعية الخمس:حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال, فقد وردت جملة من نصوصه وأحكامه لتثبيت تلك الكليات وتدعيمها,واعتبارها أصولا قطعية معتبرة في كل الملل والأمم.
_ من القرآن الكريم تحددت الكثير من الحكم والعلل والأسرار الجزئية, التي تعلقت بأحكامها الفرعية, والتي شكلت محتوى مهما أسهم في إبراز المقاصد وتكوينها.
_ من القرآن الكريم استخلصت واستقرت ودونت بعض القواعد الفقهية ذات الصلة بالمقاصد الشرعية, فقد كان المنشغلون بفن القواعد يرجعون كل قاعدة إلى أصلها من القرآن والسنة أو منهما معا, ومن القواعد المبنية على نصوص من القرآن قاعدة :"المشقة تجلب التيسير" وقاعدة: "الضرورات تبيح المحظورات" وقاعدة:"الضرورة تقدر بقدرها" وقاعدة:"العادة محكمة".
_ من القرآن الكريم استفيدت العديد من الخصائص العامة للشريعة الإسلامية المتصلة بالمقاصد الشرعية مثل خاصية التيسير والتخفيف ورفع الحرج والوسطية والاتزان والسماحة والرفق واللين والواقعية, وغير ذلك من الخصائص الكلية والسمات العامة التي تعاقب الباحثون والدارسون على طرقها وبيانها.
وقد أشار الطاهر بن عاشور إلى مقاصد القرآن الكريم حيث يقول،أليس قد وجب على الآخذ في هذا الفن أن يعلم أن المقاصد الأصلية التي جاء القرآن لتبيانها فلنلم بها الأن ،بحسب مابلغ إليه استقراؤنا وهي ثمانية أمور:
أولا ـ إصلاح الاعتقاد وتعليم العقد الصحيح ،هوأعظم سبب لإصلاح الخلق ،
ثانياـ تهديب الأخلاق قال تعالى "وإنك لعلى خلق عظيم "قالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ كان خلقه القرآن ،
ثالثاـ التشريع وهو الأحكام الخاصة و العامة ،قال تعالى " و نزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء "
رابعا- سياسة الأمة و هو باب عظيم في القرآن القصد منه صلاح الأمة و حفظ نظامها ،
خامسا- القصص و أخبار الأمم السالفة للتأسي بصالح أحوالهم ،
سادسا- التعليم بما يناسب حالة عصر المخاطبين و ما يؤهلهم إلى تلقي الشريعة و نشرها ،
سابعا- المواعظ و الإنذار و التحذير و التبشير ،وهذا يجمع آيات الوعد و الوعيد و الترغيب و الترهيب ،
ثامنا- الإعجاز بالقرآن ليكون آية دالة على صدق الرسول صلى الله عليه و سلم ،إذ التصديق يتوقف على دلالة المعجزة بعد التحدي ،
يتضح من هذا الذي سبق أن مقاصد القرآن هي الأسرار والغايات التي نزل القرآن لأجل تحقيقها جلبا للمصالح ودفعا للمفاسد،

المطلب الثاني: النشأة و المراحل
إن نشأة التفسير المقاصدي تعود بالأساس إلى تفسير الصحابة و تطبيقهم العملي لمقتضى المقاصد في التفسير ،و يدل على ذلك صنيع أبي بكر الصديق رضي الله عنه في جمع القرآن لما كان المقصد من ذلك هو حفظ القرآن في السطور عندما استحر القتل بالقراء يوم اليمامة ،و الأعمال التي قام بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه طبقا لقواعد المقاصد القرآنية ،و من الأعمال التي قام بها : سن التاريخ الهجري ،و بناء السجون و إنشاء الدواوين ،و تعيين الولاة ، و غير ذلك...
من المعلوم أن تاريخ الحركة العلمية التفسيرية مر بمراحل متعددة ،يمكن حصرها في أربع، تتضمن عصر الرسول صلى الله عليه و سلم و صحابته ،و عصر التابعين، و عصر التدوين و العصر الحديث، و هناك من يعبر عن المرحلة الأولى بأنها مرحلة التأسيس لعلم التفسير، و المرحلة الثانية مرحلة التأصيل ، و المرحلة الثالثة مرحلة التفريع ،و المرحلة الرابعة مرحلة التجديد.
ثم دور المدارس التفسيرية ،فكانت مدرسة التفسير في مكة التي تأسست على يد عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، و نشأت مدرسة التفسير في المدينة على يد أبي بن كعب و نشأت بالعراق مدرسة عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما ،و هذه المدارس الثلاث هي أشهر مدارس التفسير آنذاك، و تمتاز مدرسة أهل العراق بأنها مدرسة أهل الرأي حيث إنها أسهمت في تطور التفسير بالرأي و الاجتهاد و الاستنباط.
المرحلة الأولى للتفسير :
وهي مرحلة التفسير في عهد النبي صلى الله عليه و سلم و صحابته الكرام ،
المرحلة الثانية :
انتهت المرحلة الأولى من التفسير بموت الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ،و بدأت مرحلة التابعين الذين أخذوا عن الصحابة التفسير و تتلمذوا على أيديهم ،
المرحلة الثالثة :
بدأت منذ ظهور التدوين ،و ذلك في أواخر عهد بني أمية و أول عهد العباسيين ،
المرحلة الرابعة :
عاش التفسير فترة غير قصيرة من الزمن بعد مرحلة التدوين في حالة من الركود و الجمود و انعدام التطور و التجديد ،حتى جاء عصر النهضة العلمية الحديثة فانطلقت دعوات التجديد من هنا و هناك محاولة كسر حواجز الجمود و الركود ،فاتجهت أنظار العلماء حاملة رؤى أخرى ،و تطلعات عالية نحو الجديد في علم التفسير معتمدة على تفاسير الأولين ،حيث لا يسع العقلاء إنكار جهودهم الضخمة في التفسير بالمأثور و الرأي والتفسير الفقهي و الموضوعي و غير ذلك .فاتجهت عجلة التقدم العلمي نحو ألوان شتى من التفسير،فظهر الاتجاه المقاصدي في التفسير و الاتجاه الهدائي ،و الاتجاه الاجتماعي الأدبي،والاتجاه الشرعي ،فتدافعت بقوة نحو المضي قدما للسير في ركب التجديد ،لتثبت أن التفسير علم متجدد ،و أن القرآن صالح لكل زمان و مكان ،فكذلك التفسير الأصل فيه التجدد و ملامسة أحوال الأمم و الأحداث و الوقائع .
وبناء على هذا فإن كل مرحلة من المراحل التفسيرية مثلت منعطفا مهما في مسيرة التفسير المقاصدي ،و اتسمت بخصائص و مميزات أضافت الجديد و المفيد و أسهمت في التأصيل لهذا النوع التفسيري ،
و الدعوة إلى إعمال المقاصد في النص القرآني منذ القرن الخامس الهجري حيث انتقد الإمام الغزالي على الفقهاء صنيعهم في تجريد النص القرآني من المقاصد التي تظهر حلاوة المعنى و قبول الأحكام، حيث يقول الغزالي :" هناك التفسير الفقهي للقرآن ،و هو تفسير طوع الآيات لأحكام القرآن و طريقتهم في الاستنباط و لم يهتم إلا بآيات الأحكام التشريعية ،واقتصر في ذلك على الحكم الشرعي دون النظر إلى المقاصد الأخرى ،وهذا فيه شيء يستدعي الاستدراك .
المطلب الثالث : موجبات التفسير المقاصدي :
لعل المقصود بموجبات التفسير المقاصدي هو الأمور التي يجب توافرها للعمل بالمقاصد، وهي أمور شرعية و لغوية و واقعية، تتكون من عناصر ثلاث ،كل منها يكمل الآخر ، وهي النص، و الواقع، و المكلف.
فالنص هو الدليل الذي يراد تطبيق حكمه و علته و مقصده، و الواقع هو ميدان الفعل والتصرف الذي سيكون محكوما بذلك النص و موجها نحو مقاصده و غاياته، و المكلف هو المؤهل عقلا و روحا و بدنا للملائمة بين النص و الواقع.
النص : ينبغي استحضار مجموعة من المعلومات اللغوية لفهم النص الشرعي وإدراك مقصده و علته و حكمته، و ذلك مثل عموم اللفظ و خصوصه و ظاهره و باطنه الذي لا ينصرف إليه إلا بدليل، كما قال الباجي في كتابه الإشارات ، إذ لا يعدل عن الظاهر إلا بدليل ، فالعمل بمقتضى دلالة الظاهر واجب اتفاقا ما لم تقم قرينة من الشرع أو العقل أو اللغة أو العرف العام تخرجه عن ظاهره فيؤول حينئذ حسبما تقتضيه تلك القرينة،
يقول الشاطبي، فمن أراد تفهمه فمن جهة لسان العرب يفهم، و لا سبيل إلى تطلب فهمه من غير هذه الجهة، فإن القرآن نزل بلسان العرب، و إنه عربي و إنه لا عجمة فيه، فبمعنى أنه أنزل على لسان معهود العرب في ألفاظها الخاصة و أساليب معانيها، و أنها فيما فطرت عليه من لسانها تخاطب بالعام يراد به ظاهره، و بالعام يراد به العام في وجه و الخاص في وجه، و الظاهر يراد به غير الظاهر و كل ذلك يعرف من أول الكلام أو وسطه أو آخره، وتتكلم بالكلام ينبأ أوله عن آخره و آخره عن أوله، و تتكلم بالشيء يعرف بالمعنى كما يعرف بالإشارة، و تسمي الشيء الواحد بأسماء كثيرة و الأشياء الكثيرة باسم واحد، و كل هذا معروف عندها، لا ترتاب في شيء منه هي و لا من تعلق بعلم كلامها ،
ذلك أن مقاصد الكلام مداره على معرفة مقتضيات الأحوال، إذ الكلام الواحد يختلف فهمه باختلاف الأحوال، و الجهل بالأسباب موقع في الانحراف في الظاهر و مفضي إلى النزاع و الاعتساف .
و يقول العلامة الطاهر بن عاشور " و إنما حق الفقيه أن ينظر إلى الأسماء الموضوعة للمسمى أصالة أيام التشريع و إلى الإشكال المنظور إليها عند التشريع من حيث إنها طريق لتعرف الحالة الملحوظة وقت التشريع لتهدينا إلى الوصف المرعي للشارع "
وصولا إلى إبراهيم السامرائي حيث يقول " إن فهم الأحكام ينبغي أن يكون في إطار عادة العرب في التخاطب أيام نزول التشريع ليس في إطار ما شهدته اللغة بعد ذلك من تطور وتوسع و تنام ،
لذلك فاللغة محل عناية فائقة و اهتمام تاريخي متواصل من قبل علماء الشريعة في مختلف الفنون و التخصصات.
المكلف :
فالمكلف هو محور عملية الاجتهاد و مدارها، فالنصوص ما جاءت إلا للمكلف و الواقع ما حدث إلا به، و الذي يهمنا من المكلف عقله الذي يلائم بين مدلول النص و حوادث الواقع و كلما تبينت مكانة العقل و مهامه و علاقته بالشرع و تطبيقاته كانت منظومة الأحكام منزلة على أحسن وجه، فالعقل و الشرع يتكاملان في إقامة دين الله في الكون و تحصيل مقاصده في الدارين بإصلاح المخلوق في نظمه و أحواله و سياساته و معاملاته، فالشرع ما نزل إلا ليخاطب عقل المكلف، و العقل ما بلغ رشده و صوابه إلا بتوجه الوحي و تصويبه و تحديد دوره و صلاحياته، "فالعقل شرط التكليف و أساس التدين"
فالعقل الذي نتكلم عنه هو ليس عموم أي عقل، بل هو العقل الإسلامي الذي ينبغي أن يتحرك في دائرة الشرع و ضوابطه و ليس في منظومة الهوى ،
يقول " إن دليل تطابق النقل للعقل هو كون الأدلة نصبت في الشريعة لتتلقاها العقول وتعمل بمقتضاها و لو نافتها لكانت تكليفا بما لا يطاق و هذا محال "
و من تقسيمات الشاطبي للمقاصد نذكر :
- قصد الشارع في وضع الشريعة للتكليف بمقتضاها
- قصد الشارع في دخول المكلف تحت أحكام الشريعة
ثم إن التكليف بما لا يطاق منفي عن الشريعة إجماعا بدليل النصوص المبثوثة في القرآن الكريم داعية إلى نفي الحرج، و مصرحة باليسر و السماحة،
و من القواعد المقاصدية للإمام الشاطبي " إن الشارع لم يقصد إلى التكليف بالمشقة والإعنات فيه "
الواقع :
تعد دراسة الواقع الإنساني من أعقد الدراسات و أعسرها، و ذلك لطبيعة الواقع و تداخل معطياته و تسارع أحداثه و قضاياه و نوازله، لذلك فإن فهمه أمر مهم، إذ الحكم عن الشيء فرع عن تصوره كما يقول المناطقة، و كلما كان الفهم للواقع قريبا من الصواب كان تطبيق الأحكام و تحقيق مراميها و مقاصدها كذلك.
و فهم الواقع الذي يراد تحكيمه بالتعاليم الشرعية و ليس العكس كما يحلو للبعض حيث اعتبروا الشرع محكوما بالواقع، و هذا منتهى الجحود ،
و الواقع هو مجموع الوقائع الفردية و الجماعية الخاصة و العامة و من ثم فإن فهم الواقع هو فهم تلك الوقائع و استيعابها و تبين طبيعتها و خصائصها حتى يسهل تنزيل الحكم الشرعي عليها، و هذا هو الذي عبر عنه الأصوليون بتحقيق المناط الخاص و العام، وتحقيق المناط : هو العلم بالموضوع على ما هو عليه .
و إذا كان تحقيق المناط ينبني أولا على معرفة الموضوع كما هو فإن معرفة الحوادث متفرقة متوقفة على أربابها و أصحاب التخصص فيها، فلا يجوز الحكم على قضية معينة في المعاملات المالية أو الطب أو القانون إلا بما يقوله المتخصصون في ذلك، ثم تتوضح شرعيته بما يقوله خبراء الشريعة و أرباب التخصص و الاجتهاد المقاصدي.
و ختاما نقول، إن معرفة سمات الواقع في كبريات خصائصه و جزئيات نوازله أمر ضروري لتنزيل أحكام الله تعالى و بث مغازيها و غاياتها و آثارها.
المبحث الثاني : التفسير المقاصدي: المفهوم والضوابط
المطلب الأول : مفهوم التفسير المقاصدي :
إن التفسير المقاصدي يعتبر تفسيرا تجديديا ،بالرغم من أن تاريخ المقاصد قديم قدم التشريع و استعمال لفظ المقاصد و معانيه مشهور منذ القدم ،إلا أن إدخال المقاصد في التفسير ظهر في القرون المتأخرة مع محمد عبده (ت 1905 م) و رشيد رضا (ت 1935 م) و الطاهر بن عاشور (ت 1973 م) و غيرهم ممن كتب في التفسير المعاصر...،لكنهم لم يضعوا تعريفا للتفسير المقاصدي ،و هذا ما جعل الباحثان رضوان جمال الأطرش و نشوان عبده خالد قائد في بحثهما " الجذور التاريخية للتفسير المقاصدي للقرآن الكريم " يقومان بمحاولة للتعريف بالتفسير المقاصدي من خلال استقرائهما ،حيث توصلا إلى أن التفسير المقاصدي هو ذلك التفسير الذي يبحث في معاني ألفاظ القرآن الكريم و توسيع دلالاتها اللغوية مع بيان التي أنزل من أجلها القرآن و شرعت من أجلها الأحكام ،
و الذي ترجح لدينا من خلال استقرائنا و تتبعنا لمحاضرات الأستاذة الكريمة ،أن التفسير المقاصدي هو ذلك التفسير الذي يتأسس على النظرة الشمولية للعناصر المكونة للنص من مفردات و تراكيب و أساليب من أجل إدراك الغايات و استجلاء المعاني .
و قد أشار العلماء قديما منهم فخر الدين الرازي حيث يقول :"أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط ،
و قال بعض الأئمة من محاسن الكلام أن يرتبط بعضه ببعض لئلا يكون منقطعا ،
و قال العز بن عبد السلام ،المناسبة علم حسن و لكن يشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره فإن وقع على أسباب مختلفة لم يشترط فيه ارتباط أحدهما بالآخر ،
قال السيوطي ،أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات و الروابط .
و مما يتميز به التفسير المقاصدي هو البحث و التنقيب عن الغايات التي أنزل الله القرآن لأجلها تحقيقا لمصالح العباد ،خلافا للظاهرية الذين يقفون مع ظواهر النصوص ،و إلى هذا أشار الدكتور أحمد الريسوني أن تفسير النصوص الشرعية يتجاذبه عادة اتجاهان :
- اتجاه يقف عند ألفاظ النصوص و حرفيتها مكتفيا بما يعطيه ظاهرها
- و اتجاه يتحرى مقاصد الخطاب و مراميه
و يمثل الاتجاه الأول أصحاب المدرسة الظاهرية التي يتزعمها داود الظاهري و أكثر ما يتمثل ذلك اليوم عند بعض الدعاة و المفتين من التيار السلفية. و أما الاتجاه الثاني فتمثله المدرسة المقاصدية ،و هذا الاتجاه يستند إلى التسليم العام بكون الشريعة لها مقاصد و حكم في عموم أحكامها و نصوصها .
و عليه فإن فهم النصوص الشرعية على وجهها الأمثل ضرورة إلى العلم بمقاصد الشريعة لذلك قال الطاهر بن عاشور "إن أدلة الشريعة اللفظية لا تستغني عن معرفة المقاصد الشرعية"
ولقد كان لنشأة الفقه وأصوله دورا في نشأة المقاصد ،كما اشتهر ذلك عن مذهب مالك الذي يطلق عليه الكثير من الأصوليين مذهب المقاصد الأول . و نلاحظ ذلك جليا من خلال تناول علماء الأصول للمقاصد في تصانيفهم ،حيث جرى لفظ المقاصد على ألسنة الأئمة المتقدمين ،كالجويني في البرهان و الغزالي في المستصفى و العز بن عبد السلام في القواعد، إلى أن اتضحت الفكرة و اكتملت على يد الإمام الشاطبي ،حيث ترجم ذلك عمليا حينما فسر قوله تعالى " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " ،فقال التدبر إنما يكون لمن التفت إلى المقاصد و ذلك ظاهر في أنهم أعرضوا عن مقاصد القرآن فلم يحصل منهم تدبر .
لقد مثلت النهضة العلمية منطلقا من منطلقات التجديد في التفسير المقاصدي و تقعيدا لمسألة إعمال المقاصد في التفسير ،و قد ظهر ذلك جليا في تفسير المنار لمحمد رشيد رضا(ت 1354 ھ) و في كتابات منها مقاصد القرآن الكريم للشيخ حسن البنا (ت 1949 م) و كتاب الوحي المحمدي لرشيد رضا و كتاب النبأ العظيم لمحمد عبد الله دراز ،كان هذا في المشرق العربي ،أما في المغرب العربي فقد أصرت الحركة التنويرية في شخصية الإمام الطاهر بن عاشور ،فأقبل على تأليف تفسيره الذي سماه في بداية الأمر "تحرير المعنى السديد و تنوير العقل الجديد بتفسير الكتاب المجيد" ،و الذي اختصر اسمه بعد ذلك إلى التحرير و التنوير ،قال عنه مؤلفه "فجعلت حقا علي أن أبدي في تفسير القرآن نكتا لم أر من سبقني إليها ،وأن أقف موقف الحكم بين طوائف المفسرين تارة لها و آونة عليها ،فإن الاقتصار على الحديث المعاد ،تعطيل لفيض القرآن الذي ما له من نفاذ"
المطلب الثاني :نماذج من التفسير المقاصدي :
*أبو بكر بن العربي المعافري رحمه الله:
1_ مقاصد الشريعة العامة:
تقرر سابقا أن مقاصد الشريعة العامة هي التي تلاحظ في جميع أو أغلب أبواب الشريعة ومجالاتها بحيث لا تختص ملاحظتها في نوع خاص من أحكام الشريعة فيدخل في هذا أوصاف الشريعة وغاياتها الكبرى , وتتمثل هذه الأوصاف في تميز التشريع الإسلامي باليسر ورفع الحرج , كما تتمثل في المقاصد الضرورية و الحاجية و التحسينية .
فقد نبه ابن العربي – رحمه الله – على مقصد التيسير ورفع الحرج في مواضع كثيرة مما فسره من آيات الأحكام . ومن أمثلة ذلك ما يلي :
جاء في تفسير ابن العربي لقوله تعالى : » قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الاولين « , قوله : (المسألة الثانية : قال علماؤنا : هذه لطيفة من الله سبحانه من بها على الخليقة, وذلك أن الكفار يقتحمون الكفر والجرائم , ويرتكبون المعاصي, ويرتكبون المآثم , فلو كان ذلك يوجب مؤاخذتهم لما استدركوا أبدا توبة . ولا نالتهم مغفرة , فيسر الله عليهم قبول التوبة عند الإنابة , وبذل المغفرة بالإسلام , وهدم جميع ما تقدم ليكون ذلك أقرب إلى دخولهم في الدين , وأدعى إلى قبولهم كلمة الإسلام , وتأليفا على الملة , وترغيبا في الشريعة , فإنهم لو علموا أنهم يؤاخذون لما أنابوا ولا أسلموا ) .1
وقد قرر ابن العربي – بناء على ما فسره – قاعدة تؤكد اعتباره لمقاصد الشريعة في التيسير , إذ قال : ( والتنفير مفسدة للخليقة ,والتيسير مصلحة لهم )2 وينبني على هذا أن التيسير في دعوة الناس إلى الإسلام , منهج قرآني يشهد له ما فسر به ابن العربي الآية المتقدمة , ولذلك أيضا شواهد أخرى ليس من صميم هذا البحث الخوض فيها أو التفصيل .
قال ابن العربي في تفسير قوله تعالى : » ويضع عنهم إصرهم «3 : (الإصر هو الثقل , وكان فيما سبق من الشرائع تكاليف كثيرة فيها مشاق عظيمة, فخفف تلك المشاق لمحمد صلى الله عليه وسلم فمنها مشقتان عظيمتان : الأولى في البول , كان إذا أ صاب ثوب أحدهم قرضه , فخفف الله ذلك عن هذه الأمة بالغسل بالماء , وروى مسلم عن أبي وائل قال : كان أبو موسى يشدد في البول ويبول في قارورة ويقول : إن بني إسرائيل كان إذا أصاب جلد أحدهم بول قرضه بالمقاريض , فقال حذيفة : لوددت أن صاحبكم لا يشدد هذا التشديد , لقد رأيتني أنا ورسول الله نتماشى , فأتى سباطة خلف حائط , فقام كما يقوم أحدكم , فبال فانتبذت منه , فأشار إلي فجئت فقمت عند عقبه حتى فرغ " 4 , ومن الإصر الذي وضع إحلال الغنائم , وكانت حراما على سائر الأمم , ومنها ألا تجالس الحائض ولا تؤاكل , فخفف الله ذلك في دينه , فقال صلى الله عليه وسلم : " لتشد عليها إزارها ثم شأنه بأعلاها " في أعداد لأمثالها ), وقد جعل ابن العربي التيسير في الإسلام برفع الإصر والحرج أصلا عظيما في الدين وركنا من أركان شريعة المسلمين شرفنا الله سبحانه على الأمم به , فلم يحملنا إصرا ولا كلفنا في مشقة أمرا .
جاء في تفسير ابن العربي لقوله تعالى : » يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابرى سبيل حتى تغتسلوا ... إلى قوله تعالى : إن الله كان عفوا غفورا« قوله : ( المسألة الثامنة والثلاثون : دخول العفو والغفران على ما تقدم من الأحكام وانتظامها بهما , ووجه ذلك أن عفو الله تبارك وتعالى إسقاطه لحقوقه أو بذله لفضله , ومغفرته ستره على عباده , فوجه الإسقاط هاهنا تخفيف التكليف , ولو رد بأكثر للزم, ووجه بدله إعطاؤه الأجر الكثير على الفعل اليسير , ورفعه عن هذه الأمة في العبادات الإصر الذي كان وضعه على سائر الأمم قبلها , ومغفرته ستره على المقصرين في الطاعات وذلك مستقصى في آيات الذكر ... ) .
قال ابن العربي في تفسير قوله تعالى : » من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من اكره وقلبه مطمئن بالا يمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم « ( المسألة الرابعة : إن الكفر وإن كان بالإكراه جائزا عند العلماء فإن من صبر على البلاء ولم يفتنن حتى قتل فهو شهيد , ولا خلاف في ذلك, وعليه تدل آثار الشريعة التي يطول سردها, وإنما وقع الإذن رخصة من الله رفقا بالخلق وإبقاء عليهم ولما في هذه الشريعة من السماحة ونفي الحرج ووضع الإصر ) .
ولعل هذه الأمثلة المذكورة كافية في بيان اعتبار ابن العربي للمقاصد في تفسيره , وخصوصا ما تعلق منها بالمقاصد العامة للشريعة في التيسير ورفع الحرج والمشقة عن أمة الإسلام, وقد قرر ابن العربي في غير موضع من تفسيره أنه ما جعل الشرع علينا في الدين من حرج إلا ونفاه , وأن رفع الحرج مقصود شرعي .
أما الوجه الثاني من مقاصد الشريعة العامة المتعلق بحفظ الكليات الخمس (الدين , والنفس , والعقل, والنسل , والمال) فإننا نجده حاضرا عند ابن العربي في مواضع كثيرة من تفسيره , وخصوصا من هذه الكليات الخمس كلية النسل أو العرض, وكلية المال , ومن أمثلة ذلك ما يلي :
قال الله تعالى : » والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين « , ذكر ابن العربي في تفسير هذه الآية أن : ( الحكمة في تكرارها – أي الشهادة – التغليظ في الفروج والدماء على فاعلها لعله أن يكف عنها , فيقع الستر في الفروج والحقن في الدم ) , وهذا يفيد سد الذريعة عن ما ينتهك أعراض الناس , فقد حرم الله القذف وأحاطه بشروط دقيقة وصارمة . ورتب عليه حدا, يقول الدكتور يوسف حامد العالم : ( وأما تحريم القذف وما يترتب على فعله من حد فهو من باب حماية الأعراض, وحرصا من الشارع على عدم إشاعة الفاحشة على ألسنة الناس ) . ولذلك وردت الآية بتكرير الشهادة أربع مرات .
ومما يؤكد حفظ العرض عند ابن العربي ما انتصر فيه لمذهب مالك في أن التعريض بالقذف بمنزلة التصريح به , وهو المثال الثاني كما يأتي .
جاء في تفسير ابن العربي لقوله تعالى : » والذين يرمون المحصنات« ( اتفق العلماء على أنه إذا صرح بالزنا كان قذفا وذنبا موجبا للحد , فإن عرض ولم يصرح , فقال مالك : هو قذف , وقال الشافعي وأبو حنيفة : ليس بقذف , ومالك أسد طريقة فيه , لأن التعريض قول يفهم منه سامعه الحد , فوجب أن يكون قذفا كالتصريح , والمعول على الفهم,وقد قال الله مخبرا عن قوم شعيب :» إنك لأنت الحليم الرشيد « وقال في أبي جهل : »ذق إنك أنت العزيز الكريم « وهذا ظاهر ) .
ويشبه ما ذهب إليه ابن العربي في هذه الآية , انتصاره أيضا لمذهب مالك في أن القاذف إذا رمى صبية يمكن وطؤها قبل البلوغ بالزنا كان قذفا , خلافا لأبي حنيفة والشافعي ,قال ابن العربي : ( إذا رمى صبية يمكن وطؤها قبل البلوغ بالزنا كان قذفا عند مالك وقال أبو حنيفة والشافعي : ليس بقذف لأنه ليس بزنا إذ لا حد عليها .
وعول مالك على أنه تعبير تام بوطء كامل فكان قذفا والمسألة محتملة مشكلة لكن مالك غلب حماية عرض المقذوف , وغيره راعى حماية طهر القاذف, وحماية عرض المقذوف أولى , لأن القاذف كشف ستره بطرف لسانه فلزمه الحد ) .
جاء عند ابن العربي في تفسير قوله تعالى: » محصنات غير مسافحات « قوله : ( يعني عفائف غير زانيات ... وإنما شرط الله ذلك صيانة للماء الحلال عن الماء الحرام , فإن الزانية لا يجوز عندنا نكاحها حتى تستبرأ .. فكيف يمتزج ماء بماء غير محترم , وفي ذلك خلط الأنساب الصحيحة بالمياه الفاسدة ) .
والأمثلة التي أوردتها تتعلق بحفظ العرض أو النسل , وأما حفظ المال فمن أمثلته في ما فسره ابن العربي من الآيات :
ما جاء عنده في تفسيره لآية الدين من سورة البقرة , إذ قال في المسألة الثانية والخمسين : ( قال علماؤنا رحمة الله عليهم : لما أمر الله سبحانه بالتوثيق بالشهادة على الحقوق كان ذلك دليلا على المحافظة في مراعاة المال وحفظه , ويعتضد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم :"نـهى عـن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال" 5 ) .
قال ابن العربي في تفسير قوله تعالى : »فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم « ( قال علماؤنا أمر الله تعالى بالإشهاد تنبيها على التحصين وإرشادا إلى نكتة بديعة , وهي أن كل مال قبض على وجه الأمانة بإشهاد لا يبرأ منه إلا بإشهاد على دفعه لقوله تعالى : » فأشهدوا عليهم « ) .
ووجه الدلالة على المقاصد هنا ترتيب حفظ المال وتحصينه على الإشهاد , لأن حفظ المال أمر مقصود شرعا , فلزم من أجل ذلك الإشهاد عليه .
وقد ظهر من خلال هذا المبحث اعتناء ابن العربي بمقاصد الشريعة العامة واستحضاره لها في تفسيره لآيات الأحكام .
2- مقاصد الخطاب القرآني :
أتناول في هذا المبحث بعض مقاصد القرآن في خطابه , وذلك من خلال ما نبه عليه ابن العربي في تفسير بعض الآيات .
وهذه المقاصد – بحسب ما اجتمع لي من أمثلة – تتعلق بمقاصد القرآن ، في تقديمه وتأخيره :
.
فيما يتعلق بمقاصد التقديم والتأخير في القرآن فيمكن التمثيل له في تفسير ابن العربي من خلال ما يلي :
1 – قال تعالى في كفارة الأيمان : » فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ... « قال ابن العربي في المسألة الثالثة من تفسير هذه الآيات : ( ذكر الله عز وجل في الكتاب الخلال الثلاث مخيرا فيها, وعقب عند عدمها بالصيام فالخلة الأولى هي الإطعام وبدأ بها لأنها كانت الأفضل في بلاد الحجاز لغلبة الحاجة فيها على الخلق وعدم شبعهم ولا خلاف في أن كفارة اليمين على التخيير , وإنما اختلفوا في الأفضل من خلالها ( ...) ولما علم الله غلبة الحاجة بدأ بالمهم المقدم )
2 – قال ابن العربي في تفسير قوله تعالى :" الزانية والزاني ". (..فبدأ بالمرأة قبل الرجل قال علماؤنا : ذلك لفائدتين : إحداهما : أن الزنا في المرأة أعر لأجل الحمل , فصدر بها لعظيم حالها في الفاحشة .
الثانية : أن الشهوة في المرأة أكثر , فصدر بها تغليظا لردع شهوتها ، وإن كان قد ركب فيها حياء ولكنها إذا زنت ذهب الحياء ) .
والظاهر من تفسيرهذه الآية ميل ابن العربي إلى ما حكاه عن العلماء في استنباطهم من الآية المتقدمة مقصود تقديم الزانية على الزاني، وإن كانا في معصية الزنا سواء .
المقاصد في أحكام القرآن :
يتعلق هذا المبحث ببعض الأحكام التي ورد تفسير آياتها عند ابن العربي , ولذلك تم الاقتصار على أحكام بعض الأبواب الفقهية المشهورة مع بيان الوجه المقاصدي فيما فسره ابن العربي من آياتها , وهذه الأحكام هي : أحكام العبادات , وأحكام العائلة والأسرة , وأحكام العقوبات والحدود وسأقصر حديثي على جانب العقوبات على سبيل التمثيل لا الحصر :
وأما الأحكام المتعلقة بالعقوبات والحدود فقد كان لابن العربي فيها أيضا نظر مقاصدي من خلال ما فسره من بعض الآيات الواردة في ذلك .
ومن أمثلة العقوبات والحدود التي أعمل فيها ابن العربي فقهه المقاصدي ما يلي :
تعرض ابن العربي للعقوبات التي رتبها القرآن على فعل الحرابة ومنها قوله تعالى : »أوينفوا من الا رض « وقد ذكر في تفسيرها أربعة أقوال : الأول يسجن الثاني : ينفى إلى بلد الشرك، الثالث: يخرجون من مدينة إلى مدينة أبدا الرابع : يطلبون بالحدود أبدا فيتهربون منها .. وقد علق ابن العربي على هذه الأقوال مرجحا ومعقبا بفقه مقاصدي إذ قال : ( والحق أن يسجن فيكون السجن له نفيا من الأرض وأما نفيه إلى بلد الشرك فعون له على الفتك وأما نفيه من بلد إلى بلد فشغل لا يدان به لأحد وربما فر فقطع الطريق ثانية ..)
وفي هذا السياق أيضا ذكر ابن العربي أنه إذا صلب الإمام المحارب فإنه يصلبه حيا وحكى قولا للشافعي أنه : يصلبه ميتا ثلاثة أيام لأن الله تـعالى قال:» يقتلوا أويصلبوا « فبدأ بالقتل وقد علق على كل ذلك بقوله: (قلنا:نعم القتل مذكور أولا ولكن بقي أنا إذا جمعنا بينهما كيف يكون الحكم، هاهنا هو الخلاف، والصلب حيا أصح لأنه أنكى وأفضح وهو مقتضى معنى الردع الأصلح)
يقول ابن العربي في تفسير قوله تعالى : » ومن قتل مومنا خطأ فتحرير رقبة مومنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا « ( أوجب الله تعالى الدية في قتل الخطإ جبرا كما أوجب القصاص في قتل العمد زجرا، وجعل الدية على العاقلة رفقا وهذا يدل على أن قاتل الخطأ لم يكتسب إثما ولا محرما، والكفارة وجبت زجرا عن التقصير والحذر في جميع الأمور ) .








الطاهر بن عاشور رحمه الله ‘:
قال رحمه الله " إن من مقاصد القرآن أمرين :
الأول : كونه شريعة دائمة و ذلك يقتضي فتح أبواب عباراته لمختلف استنباط المستنبطين ،حتى تؤخذ منه أحكام الأولين و الآخرين ،
و الثاني : تعويد حملة هذه الشريعة و علماء هذه الأمة بالتنقيب و البحث و استخراج المقاصد من عويصات الأدلة حتى تكون طبقات علماء الأمة صالحة في كل زمان لفهم تشريع الشارع و مقصده من التشريع
حينما فسر قوله تعالى : " أمن يجيب المضطر إذا دعاه و يكشف السوء و يجعلكم خلفاء الارض..." ،قال : إن هناك ثلاثة أنواع لأحوال البشر ،هي حالة الاحتياج و حالة البؤس وحالة الانتفاع .فحالة الاحتياج :هي الضمنة في قوله تعالى " أمن يجيب المضطر إذا دعاه" فالمضطر هو ذو الضرورة أي الحالة المحوجة إلى الأشياء العسرة الحلول ،و هذه مرتبة الحاجيات ،فالمرء محتاج إلى أمور كثيرة بها قوام أوده ليست متصلة بذاته ،كالأقوات والنكاح و الملابس اللازمة ،و المعنى أن المضطر إذا دعى لتحصيل ما اضطر إليه فإنه لا يجيبه إلا الله ،بقطع النظر عن كونه يجيب بعضا و يؤخر بعضا ،
و حالة البؤس ، هي المشار إليها بقوله تعالى " و يكشف السوء " و هذه مرتبة الضروري،فإن معظمها أو جميعها حفظ من تطرق السوء إلى مهم أحوال الناس ،مثل الكليات و هي حفظ الدين و النفس و العقل و النسب و المال و العرض ،و المعنى أن الله يكشف السوء عن المستاء ،
و حالة الانتفاع هي المشار إليها بقوله " و يجعلكم خلفاء الارض " أي يجعلكم تعمرون الأرض و تجتنون منافعها و هذه مرتبة التحسيني ،و قد جمعت الآية الإشارة إلى مراتب المناسب ،و هو ما يجلب نفعا أو يدفع ضررا و هو من مسالك العلة في أصول الفقه .
و من أساليب التفسير المقاصدي أن المفسر يهتم ببيان أغراض السورة القرآنية و هذا ما فعله بن عاشور رحمه الله فقد عبر عن اهتمامه بأغراض السور القرآنية و هذه واضح في سورة النبأ حين قال " اشتملت هذه السورة على وصف المشركين في شأن القرآن ،و ما جاء به مما يخالف معتقداتهم ،و من ذلك إثبات البعث و سؤال بعضهم بعضا ،و فيها إقامة الحجة على إمكان البعث بخلق المخلوقات التي هي أعظم من خلق الإنسان بعد موته،وبالخلق الأول للإنسان و أحواله .

نستنتج أن التفسير المقاصدي للقرآن الكريم يعتبر نوعا مهما لعرض هدايات القرآن الكريم و يكشف عن أسراره التي تقود العقل و القلب إلى مصدرية القرآن الربانية و يبين كيف جاء القرآن لمراعاة الصلاح للبشر و دفع الفساد عنهم ،

المطلب الثالث: ضوابط التفسير المقاصدي

إن الحديث عن ضوابط التفسير المقاصدي يستدعي منا أن نستهل كلامنا بما أشار إليه الإمام الزمخشري في مقدمته قائلا : إنه لا ينتصب للتفسير إلا رجل برع في علمين مختصين في القرآن و هما علم المعاني و علم البيان ،و تمهل في ارتيادهما آونة ،و تعب في التنقيب عنهما أزمنة ...إلى أن قال ذا دربة بأساليب النظم و النثر...
إن الانتصاب للتفسير يراعى فيه من المؤهلات ما يراعى في أهل الاجتهاد لأن المفسر في زمرته ،و لما كان المفسر مترجما عن الله تعالى و مبينا لمراده فإن منصبه من الجلالة والمهابة بالقدر الذي يحمل على النظر في شروط أهليته ،و لذلك قال الفقهاء : إن الشيء إذا عظم قدره شدد فيه و كثرت شروطه .

المطلب الأول : ضوابط التأهيل
إن المتصدي لكتاب الله تعالى لا بد أن يستجمع من الشرائط و الضوابط ما يأمن به الزلل في الفهم و الانحراف في التأويل و مجاراة الهوى في نصرة المذهب و المعتقد ،
و هذه الشروط و الضوابط منتزعة من مصادر ثلاثة :
- الأولى :مدونة علوم القرآن التي عنيت ببيان أدوات المفسر و آدابه ،
- الثانية :مقدمات التفاسير التي عنيت بالتأصيل لقواعد التفسير و أدوات المفسر ،
- الثالثة :مدونة علم أصول الفقه و هي خير معوان على استمداد ضوابط التأويل وفتح مغالق النص الشرعي ،
المطلب الثاني :ضوابط الاستقامة الخلقية والفكرية
لا يكون العالم مؤهلا للخوض في التفسير إلا بالتوفر على خصال الاستقامة الخلقية والفكرية لأنها الضمان الأمثل لصحة القصد ،ونجاح الغرض ، واستقامة المنحى ،
- صحة الاعتقاد : إن صحة الاعتقاد شرط مرعي في التفسير يتأتى به إصابة الحق والتجرد عن الهوى و السلامة من البدعة ،
- صحة القصد : إن صحة القصد مدعاة إلى التسديد و الرشد
- العدالة : هيأة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى و المروءة جميعا حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه
و عرف ابن عاصم العدل فقال : و العدل من يجتنب الكبائرا و يتقي في الغالب الصغائرا
- جودة القريحة : و قد عبر السيوطي عن فقه الطبع و جودة القريحة و فرط الذهن بعلم الموهبة ،حين قال في معرض بيان أدوات المفسر ،علم الموهبة هو علم يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم
- الدربة و المران
قد يكون المفسر واسع الحفظ ،لكنه لا يحسن الاستنباط و تحليل النصوص و تنزيلها على واقع الناس لقلة الدربة و نقص التجربة ،و هذه الشروط كلها يمكن أن يصطلح عليها بالملكة التفسيرية ،قال الزركشي : ليس لكفي في حصول الملكة على الشيء تعرفه ،بل لا بد من الارتياض في مباشرته
قال قطب الريسوني : إن التأهيل الاجتهادي للمفسر ينطلق من امتلاك الأدوات المعرفية
1 – علم اللغة العربية
أ – علم النحو ، و هو آلة المفسر لأن المعنى يختلف باختلاف الإعراب
ب – علوم البلاغة ،و هي ركن عظيم في معرفة المفسر،قال ابن خلدون : و أحوج ما يكون إلى هذا المفسرون
2 – علوم القرآن : هي العلوم المتفرعة عن القرآن الكريم الخادمة له تفسيرا و بيانا ،منها ما يلي :
- علم القراءات
- علم أسباب النزول : هو علم تعرف به معاني النزول ،قال الشاطبي :معرفة أسباب التنزيل لازمة لمن أراد علم القرآن و الدليل على ذلك أمران
أولا: أن علم المعاني و البيان الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن ،فضلا عن مقاصد كلام العرب
ثانيا : و هو أن الجهل بأسباب التنزيل موقع في الشبه و الإشكالات و مورد للنصوص مورد الإجمال حتى يقع الاختلاف و ذلك مظنة وقوع النزاع
- علم الناسخ و المنسوخ : هو علم يعرف به المحكم من غيره ،و يتطرق إلى الأحكام دون الأخبار
- علم القصص القرآني :ذكر القرآن الكريم قصص الأنبياء و السابقين كقصة موسى وفرعون و قصة يوسف و قصة أصحاب الكهف...
- علم المناسبات : هو علم تعرف منه علل ترتيب أجزاء القرآن بعضها إثر بعض
قال ابن عقيلة : علم المناسبات علم شريف قل اعتناء المفسرين به لدقته و ممن أكثر فيه الإمام فخر الدين الرازي
- علم الوجوه و النظائر : و فرق الزركشي بين الوجوه و النظائر فقال : الوجوه هي اللفظ المشترك يستعمل في عدة معاني كلفظ الأمة ،و النظائر هي الألفاظ المتواطئة
3- علم أصول الدين :
هو علم تعرف به ثوابت العقيدة و أركان الإيمان و التصور الإسلامي الصحيح للكون والانسان و الحياة
4- علم الفقه :
علم تعرف به أحكام الحلال و الحرام و موارد الأمر و النهي في الشريعة
5- علم أصول الفقه :
هو بمثابة المفتاح الذي يفتح مغالق النص
6- علم المقاصد :
قال الشاطبي : إن زلة العالم أكثر ما تكون عند الغفلة عن اعتبار مقاصد الشرع في ذلك المعنى الذي اجتهد فيه
7- علم أصول الحديث :
لأن التمييز بين الصحيح و السقيم من الأخبار لا يتأتى إلا بامتلاك الأداة الحديثية والارتياض بصنعة التصحيح و التضعيف
8- معرفة علم الواقع :
إن الإلمام بفقه الواقع يسعف في التنزيل المحكم للآيات على الواقع و الربط بين الفكرة القرآنية المعجزة و مجال الحياة ،و لعل العلامة بن خلدون رائد في تنبيهه على شرط معرفة الواقعية في التفسير ،إذ عد من مؤهلات المفسر العلم بأحوال البشر
9- العلوم النظرية البحثة :
إن الإلمام بهذه العلوم يعين المفسر على استجلاء الأبعاد الجديدة في الآيات و توسيع مدلولاتها و اكتناه وجوه الإعجاز فيها في عالم الفلك أو الزراعة أو الكون أو الطب أو الاختراع
و ختاما نختم بما قال أبو الدنيا فهذه العلوم التي كالآلة للمفسر لا يكون المفسر مفسرا إلا بتحصيلها ،فمن فسر بدونها كان مفسرا بالرأي المنهي عنه ،و إذا فسر مع حصولها لم يكن مفسرا بالرأي المنهي عنه
خاتمة :
نستنتج أن التفسير المقاصدي نشأ منذ البعثة النبوية مرورا بالصحابة و التابعين وعصر التدوين ،إلى أن جاء عصر النهضة العلمية باعتبارها منطلق التجديد في التفسير المقاصدي و مقاصد القرآن عموما ،إلا أن الحاجة لا تزال ماسة في التأصيل للتفسير المقاصدي ،لأن القرآن الكريم هو أصل الأصول و مصدر المصادر و أساس النقول والعقول لذا احتاج لمن ينبري إلى التفسير المقاصدي إلى أدوات معرفية تمكنه من الاستنباط و استجماع الشروط و الضوابط ليأمن من الزلل في الفهم و الانحراف في التأويل .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
التفسيير المقاصدي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى ماستر مقاصد الشريعة الإسلامية  :: الوحدات الأساسية :: التفسير المقاصدي للنصوص الشرعية عند مالكية الغرب الإسلامي-
انتقل الى: