منتدى ماستر مقاصد الشريعة الإسلامية
السلام عليكم ورحمة الله تعالى و بركاته، أهلا و سهلا بك في منتدى ماستر مقاصد الشريعة الإسلامية عند مالكية الغرب الإسلامي بين النظرية والتطبيق.

منتدى ماستر مقاصد الشريعة الإسلامية

منتدى ماستر مقاصد الشريعة الإسلامية عند مالكية الغرب الإسلامي بين النظرية والتطبيق- كلية الآداب سايس- بفاس
 
الرئيسيةالبوابةبحـثالتسجيلدخول
الإعلانات التي تظهر لسنا مسؤولين عنها في المنتدى، في القريب سنعمل على حذفها

شاطر | 
 

 تاريخ الاجتهاد المقاصدي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد الجبار كنادي



عدد المساهمات : 8
تاريخ التسجيل : 02/01/2013
العمر : 33

مُساهمةموضوع: تاريخ الاجتهاد المقاصدي   الأربعاء 16 يناير 2013, 06:07

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام المتقين سيدنا محمد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
لم يقتصر التشريع الإسلامي في نظرته إلى الأحكام الشرعية على النصوص التشريعية فقط، بل إننا نلحظ أنه تأثر بشكل كبير برعاية المقاصد وتحقيقها في أصوله وفروعه في التقعيد والتفريع سواء أكان في الفتيا، أم في تنزيل الأحكام على الواقع، أم في قيام الأحكام الشرعية تكليفية كانت أو وضعية، أو في الترجيحات الأصولية والفقهية وغير ذلك من عمليات التشريع والاجتهاد، فالاجتهاد الشرعي قام في جوانب كثيرة معتمدا على المقاصد واعتبارها.
ومقاصد الشريعة الإسلامية كغيرها من العلوم الشرعية الأخرى لم تظهر إلى الوجود دفعة واحدة. وكذلك الاجتهاد المقاصدي، ولكنه مر بمراحل متتابعة حتى وصل إلى مرحلة التدوين.
ويعتبر العمل بالمقاصد منهجا قديما وقع تطبيقه في العصر النبوي فعصور الصحابة ثم التابعين وأئمة المذاهب، كما كان مستحضرا لدى عموم المجتهدين وأغلب الفقهاء والأصولين، هذا ما سنحاول عرضه في هذا العرض، وفق التصميم التالي:
مقدمة
المحور الأول: الاجتهاد المقاصدي في العصر النبوي
المحور الثاني: الاجتهاد المقاصدي في عصر الصحابة
المحور الثالث: الاجتهاد المقاصدي في عصر التابعين
المحور الرابع: الاجتهاد المقاصدي عند أئمة المذاهب
المحور الخامس: الاجتهاد المقاصدي عند الفقهاء والأصوليين
خاتمة
المحور الأول: الاجتهاد المقاصدي في العصر النبوي:
تنطوي السنة الشريفة من جهة بعض نصوصها ومباحثها على جوانب مقاصدية مهمة دلت على أن الالتفات إلى المقصد والتعويل عليه أمر له مكانته وأهميته في بيان الأحكام وتثبيت شرع الله في الوجود، ومن النصوص التي وردت مقرونة بعللها وحكمها وأسرارها ومقاصدها، نذكر:
1) ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مع سعد بن أبي وقاص فيما أخرجه البخاري عن عامر بن سعد بن أي وقاص عن أبيه رضي الله عنه قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني في عام حجة الوداع من وجع اشتد بي، فقلت : إني قد بلغ بي من الوجع، وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، فقلت بالشطر؟ فقال: لا، ثم قال: "الثلث والثلث كثير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس وانك لن تفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى ما تجعل في في امرأتك"
فوازن النبي صلى الله عليه وسلم بين الإنفاق الذي فيه خير المنفق المتصدق في الآخرة أجرا ومثوبة من الله وجنة، وبين الضرر الذي سيلحق أبناءه إذا تركهم بلا مال يتعولون عليه. فقال" إنك أن تذر ورثتك أغناء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس"
مع أنه أبان له أن كل إنفاق له ابتغاء وجه الله تعالى لا يعادله خير إلا هذه المعادلة والموازنة حين قال بعد ذلك: "وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى ما تجعل في فيْ امرأتك". ووجه آخر من هذه الموازنة هو أنه حين يترك الثلثين من ماله لأبنائه سيكون قد جمع بين خيرين عظيمين:
الأول: أنه لن يترك أولاده عالة يتكففون الناس، بل يتركهم أغنياء.
الثاني: أنه مأجور أيضا بنفقته على أبنائه وعياله وزوجته ولذلك نبهه بقوله "حتى ما تجعل في فيْ امرأتك"
2) قوله صلى الله عليه وسلم: "إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة"
تضمن هذا الحديث مجموعة من المقاصد نجملها فيما يلي:
- قرار التيسير "أن هذا الدين يسر"
- منع التشدد والمبالغة من غير موجب "لن يشاد الدين أحد إلا غلبه"
- ملازمة السداد والوسطية، أي الصواب من غير إفراط ولا تفريط: "فسددو "
- دوام العمل وملازمته: "واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة"
3) نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام وبين المقصد من ذلك وهو سد حاجة جماعة الأعراب القادمة ونفعها بتلك اللحوم، ثم أباح الادخار فيها بعد لما انتفت حاجتهم ( الأعراب) إلى اللحوم، وكان مقصد الادخار متمثلا في ضمان سلامة اللحوم من التعفن والاستفادة منها وقت الحاجة.
4) وقوله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء"
- فمقصد الرسول صلى الله عليه وسلم من هذا القول هو أن من تاقت نفسه للزواج وكان مستطيعا فإن الزواج يصير واجبا في حقه حفاظا على سلامة المجتمع من الفاحشة، ومن لم تكن له القدرة على ذلك فقد شرع له صلى الله عليه وسلم علاجا آخر وهو الصيام.
5) قوله صلى الله عليه وسلم:" لو لا أن قومك حديثو عهد بشرك لبنيت الكعبة على قواعد ابراهيم"
فالرسول صلى الله عليه وسلم كانت له نظرة مقاصدية شاملة، حيث نظر في حال المسلمين في بداية إسلامهم فخشي ردتهم إن أعاد بناء الكعبة.
6) لما قال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه:" دعني أضرب عنق هذا المنافق" وهو عبد الله بن أبي سلول، قال صلى الله عليه وسلم "دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه"
7) إقراره صلى الله عليه وسلم لقول معاذ بالرجوع إلى الرأي عند عدم النصوص من الكتاب والسنة، أو عند وجود النصوص الظنية التي لها معان كثيرة والتي تحتاج إلى تحديد أقربها إلى المراد الإلهي والمقصد الشرعي، باعتماد الرأي الصحيح ... فإقراره عليه الصلاة والسلام لمعاذ بذلك يفيد أمورا منها:
-اعتبار الرأي الصحيح مصدر للأحكام بعد النص.
- تأكيد مكانة الاجتهاد بالرأي عند انعدام وجود النص، أو عند وجود النص الظني الاحتمالي.
- شمول الاجتهاد بالرأي للعمل بالقياس (أي إلحاق النظائر بنظائرها المنصوص عليها في الكتاب والسنة)
والسنة النبوية حافلة بمثل هذه الأقوال وأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم التي بنيت على رعاية الحكم والمصالح والمقاصد.
الاجتهاد المقاصدي في عصر الصحابة:
الالتفات إلى المقاصد في عصر الصحابة رضي الله عنهم، لوحظ بصورة أوضح مما كان عليه الأمر في العصر النبوي، وذلك لطبيعة عصرهم وبيئتهم، وبسبب الحاجة الماسة إلى بيان حكم الشريعة في العديد من المشكلات والنوازل التي طرأت بسبب اتساع الدولة، وتفرق العلماء وتأثرهم بما تناقلوه وعلموه من أحكام الوحي المتلو والمروي، وما أدركوه من تنوع واختلاف في العادات والأعراف والنظم السائدة في البلدان التي فتحوها واستقروا بها.
و اجتهاد الصحابة تعبير عن تكوينهم الديني وصلاحهم التربوي ورسوخهم في الفقه والاجتهاد، وغير ذلك من الخصائص والصفات التي ورثوها من عصر النبوة المباركة فهم بلا شك قد عاصروا سيرته عليه الصلاة والسلام وتتبعوا أحوالها وجزئياتها وتشبعوا بهديها وأنوارها وفهموا مقاصدها وغاياتها وأسرارها، وعلموا أن تطبيق ذلك وتبليغه تكليف شرعي وواجب إسلامي ورسالة حضارية لازمة عليهم باعتبار كونهم الصفوة المختارة التي تأهلت لتمكين إرث النبوة الشريف فهما وتنزيلا، تحملا وأداء.
ومن الوقائع التي اجتهدوا فيها:
1)اختيار أبي بكر رضي الله عنه ،عمر رضي الله عنه على أساس الشورى ، خليفة للمسلمين قياسا على إمامته في الصلاة ،والمقصد هو حفظ نظام الدولة واستمرار رسالتها الدعوية والحضارية.
2) تسوية أبي بكر رضي الله عنه في العطاء بين الناس، ولما كلمه بعض الصحابة في أن يفاضل بينهم قال: "إن فضائل الناس عند الله فأما هذا المعاش فالتسوية فيه خير " فساوى بين الحر والمملوك والمرأة والرجل والصغير والكبير.
وكانت هذه التسوية بناء على نظرة مقاصدية ثاقبة وهي:
الأولى: تغطية جميع شرائح المجتمع بحيث يتم إعطاء كافة الناس من المال.
والثانية: أن يقرب بين طبقات المجتمع فلا يجعل هناك طبقة مرموقة وعالية وطبقة متوسطة وأخرى متدنية .
3) إسقاط حد السرق عام المجاعة، وذلك لما رآه عمر بن الخطاب رضي الله عنه من عدم انتفاء الشروط الضرورية الباعثة على التطبيق والتي منها شبهة المجاعة الملجئة على أخذ حق الغير بدون إذن منه للضرورة. والمقصد هو الرفق والتخفيف بمن اضطر إلى السرقة دون اختار منه.
4) منع الفقهاء من مغادرة المدينة في عهد عمر رضي الله عنه، والمقصد هو توسيع دائرة الشورى واتخاذ الآراء والمواقف التي فيها صلاح الدولة وتوثيق الأدلة واكتمال صحة الاجتهاد.
5) فتوى عمر وعثمان رضي الله عنهما بتوريت المبتوثة من مرض الموت، لمعاملة الزوج بنقيض قصده. والمقصد هو حفظ حقوق الغير وعدم تفويتها إلا بوجه شرعي، وليس عمل الزوج إلا حيلة جائزة في الظاهر للتخلص من الزوجة وحرمانها من حق الإرث .
6) تضمين الصناع في عهد علي رضي الله عنه والمقصد هو حفظ حقوق الناس وسد حاجاتهم من الصناعة. وقد قال على رضي الله عنه "لا يصلح للناس إلا ذلك".
7) إمضاء الطلاق الثلاث بلفظ واحد طلاقا ثلاثا، والمقصد هو زجر الرجال عن الاستخفاف بكثرة إيقاع الطلاق الثلاث دون أن يمضي ثلاثا، فرأى الصحابة مصلحة الإمضاء أقوى من مفسدة الوقوع .
Cool جمع القرآن في عهد أبي بكر وكتابته ي المصحف الإمام في عهد عثمان والمقصد هو حفظ دستور الدولة الناشئة، والمنبع الأول لهدي العالم وصلاحه، والمصدر الأساس للتشريع والنظام والقانون.
9) تدوين الدواوين ووضع السجلات، واتخاذ السجون، وضرب العملة، ومراقبة الأسعار والأسواق، وفصل القضاء عن الإمارة، وضبط التاريخ الهجري، وغير ذلك مما له صلة بتنظيم الإدارة وبعث المؤسسات وتحديد المواقيت والآجال، ووضع أدوات التعامل الاقتصادي، مما يسهل حركة المجتمع ويضمن حقوق أفراده ويحقق أهداف الدولة ومصالحها في الداخل والخارج.

الاجتهاد المقاصدي في عصر التابعين:
عصر التابعين امتداد لعصر الصحابة وتواصل له، فقد عايش التابعون صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وورثوا منهم مروياتهم وأقضيتهم وفتاواهم واجتهاداتهم ومسالك استنباطهم، وفهموا تعليلاتهم المقاصدية والمصلحية وغير ذلك، مما أعانهم وساعدهم على مواكبة عصرهم وبيان أحكامه المختلفة.
وفيما يلي أمثلة لبعض اجتهاداتهم:
1) "أفتى عروة بن الزبير أحد فقهاء المدينة السبعة بعدم قبول توبة قاطع الطريق قبل أن يقع في قبضة السلطان درءا للفساد وسدا لباب التهرب من العقوبة وهي حد قطع الطريق أو الحرابة، فلو قبلت توبته لأدى ذلك إلى مفاسد كثيرة وضياع حدود الله وتجرؤ المجرمين على انتهاك محارم الله والاعتداء على الأبرياء؛ مع أن قول الله سبحانه عام في سائر المحاربين وفي قبول توبة التائب قبل القدرة عليه"
وذلك يدلنا على أن عروة رضي الله عنه رأى العمل بالمصلحة، وعمل بما يحقق المصلحة، وإن أدى ذلك إلى تقييد إطلاق النص القرآني أو تخصيص عمومه"
2) روى أبو يوسف عن الإمام أبي حنيفة "إذا أصاب المسلمون غنائم أو غنم فعجزوا عن حمله ذبحوا الغنم، وحرقوا المتاع، وحرقوا لحوم الغنم، كراهية أن ينتفع بذلك أهل الشرك "
فهي فتوى فيها رعاية مصلحة المسلمين، بدفع المفسدة التي تترتب على ترك هذه الغنائم في أيدي أعدائهم يتقوون بها.
3) القول بجواز التسعير في رأي الفقهاء السبعة، بعد أن امتنع النبي صلى الله عليه وسلم قائلا:"إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم أو مال" والامتناع من التسعير لم يكن لعدم إباحته، وإنما لعدم ظهور ما يسوغه ويدعو إليه... فلما تغير الحال وأصبحت زيادة الأسعار بسبب جشع التجار وظهور مطامعهم، لزم تغيير الحكم لأن المصلحة العامة مقدمة على رعاية المصلحة الخاصة"
4) التعجيل في إخراج زكاة الفطر: "الأصل أن تخرج زكاة الفطر بعد إفطار اليوم الأخير من رمضان وقبل أداء صلاة العيد.
وأجاز الحسن أن تقدم بيوم أو يومين"، "فقد روى ابن أبي شيبة أنه كان لا يرى بأسا
بتعجيل زكاة الفطر بيوم أو يومين."
و في هذا التقديم فائدة كبيرة للفقير إذ يهيئ ما يحتاج قبل قدوم العيد.
5) دفع البدل في الزكاة: نقل عن الحسن: أنه أجاز إخراج القيمة في الزكاة. واستدل بما أخرجه البخاري معلقا: قال طاووس: قال معاذ رضي الله عنه لأهل اليمن: ائتوني بعرض، ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة، أهون عليكم وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة.
6)حولان الحول: المعلوم أنه لا تجب الزكاة في النصاب حتى يحول عليه الحول، و يجوز عند الحسن تعجيل الزكاة و لو لسنوات إذا كان يرفع بها ضيقا عن المسلم إذا كانت لجهة واحدة.
عن حفص بن سليمان، قلت للحسن: أأخرج زكاة ثلاثة أعوام ضربة؟ فلم ير بذلك بأسا
و حدثنا أبو أسامة عن سعيد عن قتادة عن الحسن قال: "لا بأس بتعجيل الزكاة إذا أخرجها جميعا".
لقد سار التابعون على هدى الصحابة رضوان الله عليهم نصا ومقصدا وكان من طريقهم البعد عن الشدة و التكلف والأخذ باليسير من الأمر.
الاجتهاد المقاصدي في عصر أئمة المذاهب الفقهية:
عصر المذاهب الفقهية هو امتداد لعصر الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين، وهو حلقة اكتملت بموجبها سلسلة التشريع الناصعة وتبلورت بمقتضاها مسيرة الاجتهاد النيرة، وتدعمت بوجودها أصالة المنظومة الفقهية الثابتة، فقد شهد هذا العصر الزاهر بروز نوابغ الفقهاء والمجتهدين، ونشاط حرية الرأي في ضوء الأصالة الإسلامية وظهور المذاهب الفقهية المتعددة، وانبعاث حركة التدوين وغيرها.
فقد كان الاجتهاد الفقهي أحد مقومات الحياة الإسلامية في هذا العصر، وكان يقوم على استنباط الأحكام الشرعية من نصوص الكتاب والسنة والإجماع وأقوال الصحابة والتابعين، ومن القواعد الكلية والمبادئ الشرعية المعتبرة، إما عن طريق العمل على النص أو عن طريق الإدراج ضمن المقاصد والمصالح الشرعية المعلومة. وقد تميز هذا العصر بتأصيل الفقه وتدوينه.
وكانت اجتهاداتهم بمقتضى النصوص والآثار والقواعد العامة والمقاصد المعتبرة التي دلت بوضوح ويقين على عمق فهمهم للأدلة ومقاصدها ومناطاتها، وتلك الحوادث والنوازل مبسوطة في كتب ومصادر الأصول وغيره.
ومن المسائل التي اجتهد فيها أئمة المذاهب ربط الأدلة التبعية منها الاستحسان الاستصلاح سد الذرائع، المصالح المرسلة، العرف،بمقاصد الشريعة الإسلامية وعند الإفتاء يراعون مقاصد الشريعة الإسلامية؛ وهنا سنذكر بعض الأمثلة على وجه الإيجاز لأنها مرتبطة لما سبقهم من الصحابة والتابعين:
كراهة صيام ستة أيام من شوال عند مالك والقصد هو درء بدعة اعتقادها جزءا من رمضان، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رغب فيها.
أفتى سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار المرأة المتوفى عنها زوجها إذا خشيت على بصرها من رمد أصابها: أنها تكتحل وتتداوى بدواء الكحل وإن كان فيه طيب، كما رواه مالك في الموطأ فأكد ذلك بقوله:"إذا كانت الضرورة فإن دين الله يسر".
ضمان الخياط ومقصده هو عينه مقصد الاستصناع وهو يتمثل في حفظ الحقوق من الضياع وعدم تعطيل مصالح الناس بسبب التلف بدون ضمان.
اشتراط الولي في الزواج والمقصد هو ضمان حسن الاختيار وحفظ كرامة الأسرة وصيانتها من العار والتجريح وغيره.
الحجر على المدين وبيع ماله جبرا عند جمهور الأئمة والمقصد هو حفظ حقوق الدائن وزجر المماطلين، وقد رأى الحنفية أن يجبر على الأداء بالملازمة والحبس والإكراه البدني لأنه ظالم دون أن يحجر عليه.
وغير ذلك كثير من المسائل التي أعمل فيها الفقهاء المقاصد لتنزيل الأحكام على الوقائع.
الاجتهاد المقاصدي عند عموم الفقهاء والأصوليين:
الاجتهاد المقاصدي استمر عند عموم الفقهاء كما كان في العصر النبوي وعند الصحابة والتابعين وتابعيهم؛ إذ أنهم أعملوا المقاصد وفعلوها في فتاويهم وخير مثال على ذلك بروز كتب الأصول والفقه والنوازل الفقهية. – وهذا البحث شاسع لا يمكن أن نستقري جميع من ألف في المقاصد واجتهد في إعمالها في هذا العرض المختصر بل سنقتصر على بعض الأمثلة لنبرز أن الفقهاء والأصوليين أعملوا المقاصد لتنزيل الأحكام-
إذ يعد الاشتغال بالقواعد الفقهية والأصولية وغيرها من ضروب العمل المقاصدي؛ لأنه من تلك القواعد ما هو من صميم المقاصد نفسها نحو قاعدة "المشقة تجلب التيسير" و"المصالح مقدم على درء المفاسد" و"الفتاوى تتغير بتغير الزمان والمكان والحال بسبب تغير العرف والمصلحة والعمل بالقرائن" كما أن الأصول المعتمدة لكل مذهب كالاستصلاح والاستحسان وسد الذرائع وغيرها تدعو إلى إعمال مقاصد الشريعة.
ومن أشهر الفقهاء والأصوليين الإمام العز بن عبد السلام والقرافي وابن تيمية وابن القيم والمقري والشاطبي الذي عد بحق مبتكر علم المقاصد ومؤسس عمارته الكبرى ومرجع كل منشغل بهذا الفن الجليل.
يقول الشيخ عبد الله دراز: "هكذا بقي علم الأصول فاقدا قسما عظيما هو شطر هذا العلم الباحث عن أحد ركنيه، حتى هيأ الله سبحانه وتعالى أبا إسحاق الشاطبي في القرن الثامن الهجري لتدارك هذا النقص وإنشاء هذه العمارة الكبرى في هذا الفراغ المترامي الأطراف في نواحي هذا العلم الجليل" .
واستمر الاجتهاد المقاصدي إلى العصر الحالي بإعماله في نوازل ووقائع جديدة. ( كلف الطلبة بإنجاز بحوث تبرز هذه القضايا المستجدة كأطفال الأنابيب والقروض وغيرها)
خاتمة:
إن الاجتهاد المقاصدي كان ومازال مستمرا منذ العصر النبوي إلى قيام الساعة، إذ أن الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان و لا يتحقق هذا إلا بوسيلة الاجتهاد الذي يتجدد مع كل عصر وفي كل مصر.





لائحة المصادر والمراجع
 الموافقات في أصول الشريعة، الشاطبي، تحقيق: عبد الله دراز، دار الكتب العلمية، 2011
 مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية، محمد سعد بن أحمد بن مسعود اليوبي، الطبعة الأولى 1418-1998م، دار الهجرة والتوزيع الرياض.
 حاجة المجتهد إلى الاجتهاد المقاصدي، ماهر حامد محمد الحولي، بحث محكم منشور في مجلة الجامعة الإسلامية، غزة 1429 هـ -2008م
 فتح الباري شرح صحيح البخاري: للحافظ أحمد بن علي بن حجر المتوفى سنة 728هـ، دار المعرفة، بيروت
 الاجتهاد المقاصدي حجيته ضوابطه مجالاته: نور الدين بن مختار الخادمي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية قطر، الطبعة الأولى 1419هـ -1998م
 صحيح البخاري للإمام الحافظ محمد بن اسماعيل البخاري المتوفى سنة 256هـ ،مطبوع مع فتح الباري، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، قام بإخراجه محب الدين الخطيب، دار المعرفة بيروت، توزيع مكتبة المعارف بالرياض
 بحث الماجستير بعنوان: الاجتهاد المقاصدي في عصر الخلفاء الراشدين، مها سعد اسماعيل الصيفي، كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية،غزة 1432هـ -2010م .
 الخراج: أبي يوسف يعقوب بن ابراهيم ، دار المعرفة –بيروت 1979م
 اجتهاد التابعين، وهبة الزحيلي، دار المكتبي، دمشق، ط:1، 1420/ 2000.
 المصلحة في التشريع الإسلامي و نجم الدين الطوفي، مصطفى زيد، دار الفكر العربي، ط: 2، 1384/1964.
 فقه حسن البصري المقارن مع المذاهب الأربعة، روضة جمال الحسري، دار الكلام الطيب، بيروت.
 رفع الحرج في الشريعة الإسلامية ضوابطه وتطبيقاته، صالح بن عبد الله، مكتبة العبيكان، الرياض، ط:1، 1424/2004.
 الشاطبي ومقاصد الشريعة، حمادي العبيدي، دار قتيبة، 1416هـ/1996م.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
تاريخ الاجتهاد المقاصدي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى ماستر مقاصد الشريعة الإسلامية  :: الوحدات الأساسية :: الاجتهاد المقاصدي و القضايا المعاصرة عند مالكية الغرب الإسلامي-
انتقل الى: